مقالات

حين تعود الحروب إلى نقطة البداية – بوتان زيباري

في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب دائمًا بانتصار أحد، بل كثيرًا ما تنتهي بإرهاق الجميع. وما يُقدَّم اليوم بوصفه اتفاقًا تاريخيًا لا يبدو، في جوهره، أكثر من محاولة لتثبيت هدنة مؤقتة وتأجيل الأسئلة الكبرى إلى موعد آخر. فالاحتفاء بإيقاف النار لا يعني بالضرورة أن أسبابها قد اختفت، كما أن الصمت الذي يعقب المعارك لا يساوي دائمًا السلام.

ما يتردد عن التفاهم الأخير بين واشنطن وطهران يوحي بأن القضية الأساسية لم تُحسم بعد. فالموضوع النووي، الذي كان أصل التوتر ومركزه، ما زال معلقًا في مساحة من الغموض. كل ما يظهر حتى الآن هو تفاهم يهدف إلى تخفيف الاحتقان وإعادة فتح الممرات التجارية ورفع بعض القيود الاقتصادية، أما الملفات الأكثر حساسية فما زالت تنتظر جولات جديدة من التفاوض وربما من الصراع أيضًا.

المفارقة أن ما يُسوَّق اليوم باعتباره إنجازًا دبلوماسيًا كبيرًا هو في جانب منه عودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب. فالممرات البحرية التي يُحتفى بإعادة فتحها كانت مفتوحة أصلًا، والأسواق التي اضطربت بفعل المواجهة تحاول فقط استعادة توازنها السابق. كأن العالم دفع كلفة باهظة ليعود إلى النقطة التي انطلق منها، بعد أن استنزفت الحرب الأموال والاقتصادات وأشعلت المخاوف في المنطقة وخارجها.

أما إيران، فعلى الرغم من الضربات التي تلقتها، لم تخرج من المشهد كما توقع كثيرون. لقد اهتزت، لكنها لم تنهَر. بل إن بعض المراقبين يرون أن التجربة دفعتها إلى مزيد من التشدد والإصرار على البحث عن أدوات ردع أقوى. ومن هنا يظل الملف النووي حاضرًا كظل ثقيل فوق مستقبل المنطقة، لأن الشعور بالخطر يدفع الدول أحيانًا إلى البحث عن القوة بأقصى صورها.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة. فقد أنفقت الكثير سياسيًا واقتصاديًا، لكنها لا تملك حتى الآن رواية واضحة عن المكاسب التي حققتها. لذلك تحاول الإدارة الأمريكية تقديم التهدئة الحالية بوصفها نجاحًا يستحق الاحتفاء، خصوصًا في ظل الضغوط الداخلية والحسابات الانتخابية التي تجعل أي أزمة اقتصادية عبئًا سياسيًا ثقيلًا.

وتبقى إس*رائي*ل عنصرًا أساسيًا في هذا المشهد المضطرب. فالتباينات التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة بين تل أبيب وواشنطن لم تعد خافية كما كانت في السابق. كما أن الملفات المفتوحة في لبنان وغ*ز*ة وسواهما تجعل أي هدوء قائم هشًا وقابلًا للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي. فالمنطقة لم تصل بعد إلى تسوية شاملة، بل إلى مرحلة انتظار مشوبة بالحذر والشكوك.

لهذا كله، يصعب اعتبار ما جرى نهاية للصراع. إنه أقرب إلى استراحة بين جولتين، أو إلى محاولة لكسب الوقت بينما تبقى القضايا الجوهرية بلا إجابات. فالتاريخ يعلمنا أن الاتفاقات التي تعالج النتائج وتتجاهل الأسباب لا تصنع سلامًا دائمًا، بل تؤجل المواجهة فقط.

وربما يكون الدرس الأهم أن الحروب لا تُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت ولا بحجم الدمار الذي خَلَّفته، بل بما غيّرته فعلاً في الواقع. وإذا كان المشهد اليوم يشبه كثيرًا ما كان عليه بالأمس، فإن السؤال يبقى مفتوحًا: هل انتهت الحرب حقًا، أم أن الجميع عادوا ببساطة إلى بداية الطريق؟

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى