أوراق جنيف: حين تضبط “رولكس” مواقيت السلم والجنون.
رملة عبد المنعم البياتي
من ممرات جنيف الأنيقة..حيث الشوكولاتة السويسرية الفاخرة لا تذوب حتى في أوج الحروب الباردة..يُطبخ اليوم “موضوع الساعة”.
جنيف..المدينة التي تملك موهبة فطرية في البقاء “على الحياد” حتى لو انشقت الأرض..يجلس العالم اليوم يحبس أنفاسه. المشهد سريالي بامتياز: السجاد الأحمر مفروش..الحبر في المحابر ينتظر..والجميع يترقب توقيعاً تاريخياً بين واشنطن وطهران. تباً للدبلوماسية! كم تملك من برود أعصاب يُحسد عليه.
بالأمس كانت الصواريخ تتبادل التحايا في السماء واليوم تبحث الأصابع ذاتها عن “قلم LÉMAN Fountain Pen” أنيق لتوقيع صلح الستين يوماً.
هنا في سويسرا…بلد الساعات الفاخرة يبدو أن النظام الدولي قرر أخيراً ضبط ساعته البيولوجية.
المفارقة أن “ساعة جنيف” الشهيرة لا تقيس الوقت بالثواني..بل ببراميل النفط ومؤشرات البورصة.
إنها الساعة التي تملك عقرباً للسلم وعقرباً للحرب وتحركها أصابع خفية لتقول للشعوب: “الآن ناموا..والآن استيقظوا ذعراً”. كم هو مهين ومضحك في آن واحد…
أن تُختزل دماء الأمم وقلقها في “تكتكة” تروس ميكانيكية باردة في ردهات الفنادق السويسرية الفخمة!
إنها المفارقة الكونية التي تجعل السياسة الدولية أشبه بمسرحية كوميدية..
المخرج فيها عبقري..والجمهور—نحن الشعوب—ندفع تذكرة المشاهدة من أعصابنا وأقواتنا.
تأملوا معي هذا المشهد اللامعقول: أسابيع من الصخب ..
المايسترو الأكبر في واشنطن.
بالأمس القريب…كانت التغريدات والتصريحات الصاخبة لترامب تتوعد بـ”زلزلة الأرض” وفصل جديد من فصول القيامة والجيوش تتحرك بصخب هوليوودي مرعب وحصار بحري يطبق على الأنفاس
ثم فجأة… ينقشع الغبار عن مفاوضات في ردهات المدينة المخملية.. عاصمة المصالح الأنيقة …يُلغى كل شيء بجرّة قلم!
تراجعٌ مفاجئ تحت لافتة “التقدم التسووي الكبير”
وكأن الحرب لم تكن سوى زر “إيقاف مؤقت” في لعبة فيديو ..
هكذا ببساطة..تحول “الوعيد المدمر” إلى بحث عن مصافحة مبتسمة.
ليقول لنا الساسة بابتسامة دافئة: “دعونا نفتح مضيق هرمز ونشرب نخب التهدئة!”. هكذا ببساطة..تنخفض أسعار النفط فوراً وتتنفس البورصات العالمية الصُّعداء
وكأن دماء الشعوب وقلقها مجرد مؤشر بياني على شاشة كمبيوتر في “وول ستريت”
وليثبت الكبار مجدداً أن مبادئهم مرنة كالمطاط وأن صراخهم يتبخر فور أن تلوح في الأفق صفقة تجارية مجزية.
حين نستطلع المشهد الإيراني في هذه اللعبة.
لسنوات صخبت المنابر بالشعارات الرنانة والوعيد بـ”إزالة القوى الكبرى” وتحدي النظام العالمي..تلك النكتة التي لم تعد تضحك أحداً.
فلسنوات طُبخ “البعبع” الإيراني على نار هادئة في المطابخ الإعلامية الدولية وعرّفت طهران كمهدد أول لأمن الكوكب.
بدت وكأنها لا تعبأ بقرارات أو حصار.
لكن ما إن اقتربت المصالح من حافة الهاوية وشعرت جيوب الكبار بالخطر..حتى تحولت الطاولة بقدرة قادر إلى مائدة مخملية مستديرة للمفاوضات الشاعرية.
وتبخرت تلك الخطابات العنترية في الهواء وجلس المفاوض الإيراني بياقته المرتبة
وهو يسابق الزمن للتوقيع على مسودة تضمن له الإفراج عن الأموال المجمدة وتنقذ اقتصاده المنهك.
يطالبون إيران بالالتزام بمعاهدة عدم الانتشار (NPT) كشرط مقدس لإنقاذ البشرية في حين تلعب القوى الكبرى بمخزوناتها النووية كأنها قطع “ليغو” في غرفة أطفال.
إنها سخرية القدر التي تجعل الواعظ اللص هو نفسه من يحرس خزانة الأحلام.
خلف هذه التمثيلية يختبئ شجن عميق يمزق الروح.
هذا الاتفاق المؤقت—الذي يرحّل الملفات الكبرى وعلى (رأسها الملف النووي) ويبيعنا “هدنة ستين يوماً”—يكشف عورة العالم.
ستون يوماً! هل أصبحت السكينة والأنفاس الممتدة تُقاس بمواقيت الساعات الرملية؟ إنها تذكرنا بأن السلام في عصرنا ليس مبدأً أخلاقياً…بل هو مجرد “استراحة محارب” مدفوعة الأجر
يتم شراؤها بالمليارات المجمدة..وصفقة تجارية تُحسب بالورقة والقلم لضمان تدفق النفط عبر المضائق.
بينما يتبادل الدبلوماسيون الابتسامات في جنيف ويشربون القهوة …تبقى عيون الشعوب في الشرق معلقة بالسماء..ليس خوفاً من الصواريخ هذه المرة …
بل رعباً من ذاك القلم الدبلوماسي الذي قد يجف حبره فجأة بعد شهرين
ليعود المخرج الدولي ويصرخ من وراء الكواليس: “انتهى الفاصل .. فلنعد إلى التصعيد !”.
سننتظر ما ستسفر عنه أوراق جنيف وساعتها. سنضحك بمرارة على (Cliché) المصافحات.
ونبكي على حقيقة أن مصير ملايين البشر يُكتب في بضعة أسطر على ورق مصقول
بانتظار أن يقرر الجالسون في الغرف الأنيقة ما إذا كان هذا العالم يستحق العيش… أم يستحق جولة أخرى من الجنون الممنهج.
وسيبقى السؤال
من خرج منتصراً من هذه الحرب ؟
وماهي القرارات التي ستوقع تحت الطاولة؟
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.