متى تمزقت الهوية..؟
في مدينة كانت يوماً تتباهى بـ “أوركسترا” عريقة، لا يصعد إلى منصة القيادة فيها إلا من أفنى عمره في دراسة النوتة، حدث شيء غير مألوف؛ إذ استيقظ أهل المدينة ذات صباح ليجدوا أن الشخص الذي كان يكتفي بكنس المسرح، قد ارتدى بذلة “المايسترو” الرسمية، ووقف أمام الفرقة ملوحاً بعصاه.
لم يكن الرجل يمتلك أذناً موسيقية، ولا يفرق بين “الهارموني” و”النشاز”، لكنه كان يمتلك مهارة واحدة: “الصوت العالي”.
لقد أقنع الحشود بأن الموسيقى القديمة “مملة” و”متعالية”، وأن الطريق للنجاح هو “الضجيج”.
في البداية، ظن الجمهور أنها مزحة، لكنهم حين صمتوا من الدهشة، بدأ العازفون الحقيقيون بالانسحاب واحداً تلو الآخر؛ ليس قهراً، بل لأنهم لم يعودوا يحتملون سماع ألحان مشوهة في مكان كان مقدساً للفن.
ومع الوقت، اعتاد الناس على “النشاز”، حتى ظنوا أن الصراخ هو جوهر الموسيقى، وأن من لا يجيد صخب “المايسترو” الجديد هو المنبوذ، أو “الخائن للتجديد”.
إن هذه الصورة ليست مجرد خيال، بل هي انعكاس لواقعنا المرير.
نحن لا نتحدث هنا عن السارق الذي نهب المال العام، ولا عن الذي خدع الشعب، ولا عن قاتلٍ استباح الدم والحرمات، ولا عن متسترٍ برداء الدين وجلبابه الملطخ بالدجل؛ فهؤلاء جميعاً صنفٌ يعرفه التاريخ.
ولكن، أليس الأقسى من ذلك كله هو صعود بعض “الجهلة” إلى “هياكل الإدارة”..؟
إن المصيبة تكون أعظم حين يُوضع الشخص في مكان لا ينتمي إليه، لا سيما في مواقع العلم والتعليم وصناعة الرؤى، فهنا يبدأ الانحدار الحقيقي للوطن.
كيف لنا أن نتأمل خيراً، والناس لا تزال تحلم ببلدٍ مشرقٍ يستعيد تاريخه وحضارته العريقة، بينما تتصدر المشهد بطولاتٌ فارغة، وقصورٌ فخمة، وأكاذيبُ مفضوحة تُساق للناس في خطاباتٍ لا روح فيها ؟
لقد حلمنا بالتغيير، لكننا اصطدمنا بذات الوجوه التي تُدوّر من منصب إلى آخر؛ كأن البلاد قد خلت من الكفاءات، أو كأن المناصب أصبحت “إرثاً” لدوائر ضيقة تتبادل الأدوار والمقاعد، من وزارة إلى نيابة، فإلى سفارة، ثم رئاسة هيئة.. والقائمة تطول.
والأدهى من ذلك، أنهم يتحدثون عن “التقشف” وكأن الشعب هو من يبدد ثروات الدولة..!
إن من يبعثر المال ومن يمزق الهوية، هو هذا النهج الذي جثم على قلوبنا لسنوات، ولا يزال يُدار بنفس الأدوات البالية، دون اتعاظٍ بمن سبقهم أو خوفٍ من مآلات التاريخ.
إن تمزق الهوية بدأ حين سمحنا للـ “نشاز” أن يعلو، وحين رضينا بأن يقود المسرح من لا يجيد إلا الكنس.
لكن يظل في الأفق أملٌ لا يغيب، فكل صعودٍ إلى القمة متبوعٌ بـ “أفول” حتمي، وسيأتي يومٌ تقف فيه هذه النخب الفاشلة أمام خصمٍ لا يُخدع، ولا يغفل، ولا تأخذه العزة بالإثم.. إنه الله، وبعده التاريخ.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.