آراء متنوعة

عدت‭ ‬يا‭ ‬يوم‭ ‬مولدي‭… ‬

عدت‭ ‬يا‭ ‬يوم‭ ‬مولدي‭… ‬

 

د . فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

 

مهما‭ ‬كانت‭ ‬الأوضاع‭ ‬العراقية‭ ‬تخضع‭ ‬لسوء‭ ‬الحال‭ ‬والموقف‭ ‬والسلوك‭ ‬من‭ ‬فاسدين‭ ‬ومستغلين‭ ‬للمال‭ ‬العام‭ ‬والمناصب‭ ‬ومتجاوزين‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬والقوانين‭ ‬وموالين‭ ‬لدول‭ ‬أخرى،‭ ‬فإنّ‭ ‬العراق‭ ‬كسب‭ ‬حداً‭ ‬معيناً‭ ‬وشاخصاً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬انكاره‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬والصحافة‭ ‬لم‭ ‬يعرفه‭ ‬طوال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬سبقت‭ ‬العام‭ ‬2003

عندما‭ ‬يأتي‭ ‬عيد‭ ‬الصحافة‭ ‬العراقية،‭ ‬نقف‭ ‬امام‭ ‬مسيرة‭ ‬صحافية‭ ‬وإعلامية‭ ‬قلّ‭ ‬مثيلها‭ ‬طوال‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬وأنتجت‭ ‬أروقة‭ ‬الصحافة‭ ‬أعلاماً‭ ‬وأقلاماً‭ ‬ومفكرين‭ ‬ومبدعين،‭ ‬لو‭ ‬قمنا‭ ‬بتعدادهم‭ ‬لوجدناهم‭ ‬حصيلة‭ ‬لم‭ ‬تتوافر‭ ‬عند‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭ ‬حتى‭ ‬الدولة‭ ‬الرائدة‭ ‬مصر،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬العراق‭ ‬منارة‭ ‬عالية‭ ‬تتطلع‭ ‬اليها‭ ‬أنظارهم‭ ‬وتحبس‭ ‬أنفاسهم‭ ‬أيضاً‭. ‬فالعراق‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬عرفه‭ ‬الجيل‭ ‬الحالي‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬وتدهور‭ ‬اقتصادي‭ ‬وسوء‭ ‬الطبقات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬خمسين‭ ‬عاماً،‭ ‬وانّما‭ ‬هناك‭ ‬الوجه‭ ‬الحضاري‭ ‬والروحي‭ ‬والعلمي‭ ‬والفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬والصحافي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬اية‭ ‬موجة‭ ‬عاتية‭ ‬من‭ ‬إطفاء‭ ‬وهجه‭ ‬الأبدي،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الافول‭ ‬المؤقت‭ ‬احياناً‭.‬

نعم،‭ ‬بكل‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة،‭ ‬العراق‭ ‬يمرض‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يموت،‭ ‬وقد‭ ‬أصابه‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والحصار‭ ‬وظلم‭ ‬أبنائه‭ ‬وذوي‭ ‬القربى‭ ‬له‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الويلات،‭ ‬ولكنه‭ ‬بلد‭ ‬مكتوب‭ ‬له‭ ‬البقاء‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬الأرض،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬كياناً‭ ‬قابلاً‭ ‬للتحويل‭ ‬والتحوير‭ ‬والتبديل،‭ ‬وليس‭ ‬بلداً‭ ‬قابلاً‭ ‬للاحتلال‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬دولة،‭ ‬ولم‭ ‬تعش‭ ‬قوة‭ ‬أقدمت‭ ‬على‭ ‬احتلاله‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬المائة‭ ‬والعشرين‭ ‬سنة‭ ‬الأخيرة‭ ‬يوم‭ ‬راحة‭ ‬واستقرار،‭ ‬وقد‭ ‬أرّقها‭ ‬كيف‭ ‬تلملم‭ ‬جراحها‭ ‬وتفر‭ ‬بجلدها‭.‬

هناك‭ ‬تعددية‭ ‬وحرية‭ ‬نسبية‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬العراقية‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬إلا‭ ‬لقلة‭ ‬قليلة‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬عربية‭ ‬أخرى،‭ ‬وهذا‭ ‬مكسب‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬نبني‭ ‬عليه‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬نقلل‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬كونه‭ ‬ليس‭ ‬كافياً‭.‬

‭ ‬إذ‭ ‬انّ‭ ‬تكملة‭ ‬بقية‭ ‬المسيرة‭ ‬لكي‭ ‬نرتقي‭ ‬بالصحافة‭ ‬ونجعلها‭ ‬الجدار‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقتحم‭ ‬من‭ ‬الطارئين‭ ‬أو‭ ‬المستغلين‭ ‬أو‭ ‬المتسلقين‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬الأحزاب،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الصحافة‭ ‬قوية‭ ‬بذاتهاو‭ ‬بأبنائها‭ ‬وأن‭ ‬تمتلك‭ ‬نقابة‭ ‬قوية‭ ‬وفاعلة،‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬تبعية‭ ‬ودونية‭ ‬لأحد‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬عنوانه‭ ‬كبيراً،‭ ‬فالنقابة‭ ‬باقية‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬قيمة‭ ‬ذلك،‭ ‬وكل‭ ‬الحكومات‭ ‬والزعامات،‭ ‬بل‭ ‬كل‭ ‬الأنظمة‭ ‬تتغير‭ ‬وتزول‭ ‬وقد‭ ‬تنقرض‭.‬

‭ ‬هناك‭ ‬مراجعة‭ ‬واجبة‭ ‬ومستحقة‭ ‬لا‭ ‬مجاملة‭ ‬فيها،‭ ‬لابدّ‭ ‬من‭ ‬اجرائها‭ ‬لجعل‭ ‬الصحافة‭ ‬العراقية‭ ‬الحصن‭ ‬الحامي‭ ‬للديمقراطية،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الأسس‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المقرة‭ ‬قد‭ ‬تآكلت‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬المستغلين‭ ‬والمتفوقين‭ ‬في‭ ‬النفوذ‭ ‬والسلطات‭ ‬والمال،‭ ‬فإنّ‭ ‬الصحافة‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تبني‭ ‬عرشها‭ ‬العالي‭ ‬وتقوي‭ ‬حصنها‭ ‬المنيع،‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬يخيفها،‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬ملتزمة‭ ‬بنص‭ ‬الدستور‭ ‬العراقي‭ ‬ومحترمة‭ ‬للقضاء‭ ‬والقوانين،‭ ‬لكن‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬يعي‭ ‬موظفو‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬وزراء‭ ‬ونواب‭ ‬ومديرين‭ ‬انهم‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬الحصانة‭ ‬ضد‭ ‬النقد‭ ‬والتناول‭ ‬تحت‭ ‬أضواء‭ ‬الشفافية‭ ‬الكاشفة‭.‬

‭ ‬نحتاج‭ ‬في‭ ‬ذكرى‭ ‬ولادة‭ ‬الصحافة‭ ‬العراقية‭ ‬قانوناً‭ ‬طالما‭ ‬طالبت‭ ‬به‭ ‬هنا،‭ ‬لحرية‭ ‬تداول‭ ‬المعلومات،‭ ‬يمنحنا‭ ‬الحصانة‭ ‬القانونية‭ ‬أمام‭ ‬الموجات‭ ‬المضادة‭ ‬من‭ ‬الجهلة‭ ‬والفاسدين‭.‬

الصحافة‭ ‬المكتوبة‭ ‬ستبقى‭ ‬قمة‭ ‬الهرم‭ ‬الاعلامي‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬أضواء‭ ‬الشاشات‭ ‬ساطعة‭ ‬ومهيمنة‭.‬

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى