تكميم الأفواه إلكترونيًا – حسين علي غالب بابان
للمرة العاشرة يخبرني صديقي بأن صفحته على أحد مواقع التواصل الاجتماعي قد أُغلقت، وأنه سيضطر من جديد إلى إنشاء صفحة أخرى باسمه الخماسي الطويل، محاولًا التحايل على القيود التي تُفرض عليه باستمرار، وكل ذنبه أنه إعلامي فلسطيني ينقل أحداث وطنه بصدق ومهنية عبر صفحة نشطة يتابعها الآلاف ويتفاعلون معها لأنها تنقل الحقيقة كما هي دون تزييف أو مبالغة أو خضوع لأي ضغوط سياسية أو إعلامية، لقد أصبحت منصات التواصل بالنسبة لكثير من الإعلاميين والكتّاب ساحة بديلة للتعبير الحر، لكنها في الوقت ذاته تحولت إلى مساحة هشّة جدا يمكن إسكات الأصوات فيها بسهولة.
ما حدث لصديقي حدث لي أيضًا بصورة مختلفة، بعدما تعرضت صفحتي الشخصية لضربات متتالية أفقدتها جزءًا كبيرًا من محتواها، فمنذ سنوات وأنا أستخدمها كأرشيف أدبي وثقافي أجمع فيه مقالاتي وقصصي وقصائدي القصيرة التي نُشرت في صحف ومواقع عربية كثيرة، خاصة أن بعض تلك الصحف توقفت عن الصدور واختفى محتواها من شبكة الإنترنت إلى الأبد، لذلك كنت أعتبر صفحتي ذاكرة شخصية تحفظ سنوات طويلة من التعب والاجتهاد ، لكنني فوجئت ذات يوم بأن شخصًا مجهولًا اخترق الصفحة وحذف معظم محتوياتها، كما قام بحظر عدد كبير من أصدقائي وأقاربي وكأنه أراد عزلي عن محيطي بالكامل، وبعد محاولات طويلة استطعت استعادة الصفحة لكنها عادت شبه فارغة، الأمر الذي سبب لي حزنًا وإحباطًا شديدين. وبعد فترة وصلتني رسالة من المخترق يعترف فيها بأن ما فعله كان “درسًا” بسبب مقالات انتقدت جهة ينتمي إليها.
كما أنني أذكر أن إحدى وزارات الصحة قامت بعمل حملة لمحاربة المثلية الجنسية عبر عدة منصات للتواصل الاجتماعي ،لأنها ضد الفطرة البشرية وعاداتنا الاجتماعية والديانات السماوية كافة تحرمها ولها مضار صحية مخيفة ، وإذ تصل هذه الصفحات إلى الجمعيات المدافعة عنهم في أمريكا ، وبلا تردد يقوموا برفع قضية ضد هذه الصفحات دفعة واحدة بحجة أنها تدعو للعن*ف ضد شريحة “المثليين” ، وتم إغلاق الصفحات بالفعل رغم أنها صفحات تابعة لوزارة صحة لدولة ذات سيادة ..!!
إن ما يحدث اليوم يؤكد أن منصات التواصل الاجتماعي ليست فضاءً حرًا بالكامل، بل تخضع أحيانًا لأجندات ومصالح خفية، وقد تتحول إلى وسيلة لتكميم الأفواه وملاحقة الكلمة الحرة بدل حمايتها.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.