مقالات دينية
عقيدة المطهر: لماذا نصلي من أجل الراقدين؟
عقيدة المطهر: لماذا نصلي من أجل الراقدين؟
إعداد / وردا إسحاق قلّو
كما حصل لبس في عقيدة “العصمة”، يحصل لبس أكبر في عقيدة “المطهر”. كثير من الإخوة الأرثوذكس أو البروتستانت يفتكروا إن المطهر هو “جهنم صغرى” أو مكان تعذيب مادي، أو إن الكاثوليك يخترعوا فرصة ثانية للخلاص بعد الموت. لكن الفهم اللاهوتي الحقيقي للمطهر مريح جداً ويعلنه العقل والتقليد الكنسي:
أولاً: ماذا يعني”مطهر” في المفهوم الكاثوليكي؟
المطهر ليس “مكان جغرافي” بقدر ما هو “حالة تنقية”
من الذي يدخل إلى المطهر؟ المطهر ليس للذين ماتوا في حالة خطية ورافضين الرب يسوع ( هؤلاء سيذهبون إلى الهلاك الأبدي). المطهر هو فقط للأشخاص الذين ماتوا في حالة نعمة (مخلصين ومقبولين عند ربنا )، لكن ما يزال في حياتهم آثار خطايا، أو “شوائب” نفسية، أو “عقوبات زمنية” عن خطايا قدموا عنها توبة لكنهم لم يلحقوا أن يكفروا عنها على الأرض بأعمال محبة
ولماذا التنقية مطلوبة؟ لأن الكتاب المقدس يقول عن أورشليم السمائية:
“ولن يدخلها شيء دنس” (رؤيا 21: 27). فلو إنسان مؤمن ويحب الرب ، لكنه مات وفيه شائبة غضب، أو أنانية بسيطة، أو زعل من أحد، فكيف يدخل القداسة المطلقة في السماء؟ الروح القدس يطهره وينقيه في حالة “المطهر” لكي يدخل السماء كامل النقاء.
ثانياً: الحجة الكبرى: لو لم يكن المطهر موجوداً.. لماذا صلوات التراحيم؟
نوجه سؤال لاهوتي قوي للإخوة الأرثوذكس (لأن الإخوة البروتستانت لا يصلون على الموتى أصلاً ) ونقول:
إذا كان المنتقلون يذهبون فوراً إما إلى الفردوس (حيث لا يوجد حزن ولا تنهد) أو إلى الجحيم (حيث لا توبة ولا فكاك).. فلماذا تصلي الكنيسة الأرثوذكسية “أوشية الراقدين” وتطلب لهم الراحة والمغفرة؟
لو الأبرار في الفردوس في راحة كاملة ولا تنقصهم أي حاجة، فصلاتنا لهم لا معنى لها.
ولو الأشرار في الجحيم ومصيرهم إنتهى إلى الهلاك، صلاتنا لا تنفعهم: صلوات التراحيم، والقداسات الإلهية، والصدقات التي نقدمها باسم المنتقلين في الكنيستين (الكاثوليكية والأرثوذكسية) هي دليل قاطع على وجود “حالة متوسطة”، الراقدين فيها محتاجين لمعونة الكنيسة وصلواتها لتخفيف عن حالتهم وتنقيتم. الكاثوليك سموا هذه الحالة ب “المطهر”، والأرثوذكس بيسموها “حالة انتظار الأبرار الذين يحتاجون لصلوات الكنيسة”. الإختلاف هنا فقط في “الإسم” لكن الجوهر واحد!
ثالثاً: الرد على هجوم المعترضين.
الاعتراض الأول: “المطهر يعني إن دم المسيح ليس كافياً للغفران”
الرد: دم المسيح كافٍ جداً وفوق الكفاية لخلاصنا. والمطهر ليس لتكميل نقص في دم المسيح، بل هو تطبيق لاستحقاقات دم المسيح على النفس. مثل ما “المعمودية” و”الاعتراف” هما وسائل لتطبيق دم المسيح لتنقية الإنسان على الأرض، “المطهر” هو الوسيلة الأخيرة لتطبيق دم المسيح لتنقية الإنسان بعد الموت. هو عمل نعمة وليس عمل عقاب انتقامي
الاعتراض الثاني: “المسيح قال للص اليمين: اليوم تكون معي في الفردوس، ولم يرسله إلى المطهر”
الرد: اللص اليمين نال تنقية كاملة على الصليب؛ لأنه قدم توبة حارة واعترافاً علنياً، واحتمل آلام الصلب (عقوبة زمنية) بمحبة وتسليم، فمات مطهراً تماماً ودخل الفردوس فوراً. المطهر هو للذين لم يموتوا في حالة النقاء الكامل.
رابعاً: الأساس الكتابي لعقيدة المطهر.
الصلاة لأجل الموتى في العهد القديم: في سفر المكابيين الثاني (وهذا سفر قانوني عند الكاثوليك والأرثوذكس): “فصنع (يهوذا المكابي) التكفير عن الموتى ليُحلّوا من الخطية” (2 مكابيين 12: 46). لو لم يكن للمطهر وجود، يبقى التكفير والصلاة عن الموتى عبث، والكتاب المقدس لا يحث على العبث
الخلاص ولكن كما بنار (تعليم القديس بولس): القديس بولس يتكلم عن الخدام والمؤمنين الذين أساسهم المسيح لكن أعمالهم ليست كاملة، فيقول: “إن احترق عمل أحد فسيخسر، وأما هو فسيخلص، ولكن كما بنار” (1 كورنثوس 3: 15). هذه الآية صريحة عن تنقية مؤلمة تؤدي في النهاية إلى “الخلاص”.
المغفرة في العالم الآتي:
السيد المسيح قال إن التجديف على الروح القدس “لا يُغفر لا في هذا العالم ولا في الآتي” (متى 12: 32). مفهوم المخالفة الرياضي واللاهوتي يقول: إن هناك خطايا (غير مميتة) ممكن تُغفر في العالم الآتي.. والمطهر هو مكان هذا الغفران والتنقية
نستطيع أن نقول للناس: “المطهر هو دليل على رحمة ربنا يسوع وعدله. عدله يمنع دخول أي نجاسة للسماء، ورحمته لا تسمح لمؤمن أن يضيع بسبب شوائب بسيطة، فيطهره برحمة إلهية لكي يدخله إلى مجده.
” وصلاة التراحيم هي الحبل السرّي الذي يربط كنيستنا المجاهدة على الأرض بإخواتنا في كنيسة المطهر المتألمة حتى يصلوا لكنيسة المنتصرين في السماء.