مقالات سياسية
التفاهم كأداة بقاء: هل دخل نظام طهران مرحلة العدّ التنازلي؟
دخل نظام ولاية الفقيه مرحلة جديدة لا يمكن وصفها بالنصر، ولا بالاستقرار، ولا حتى بالتسوية المستدامة. فالتفاهم الذي أوقف الحرب مؤقتاً لم يحل أزمات النظام، بل نقلها من الجبهة الخارجية إلى قلب بنيته الداخلية. وبذلك لم تعد المسألة الأساسية هي ما إذا كانت طهران قد كسبت هدنة، بل ما إذا كانت قادرة على تحمل النتائج السياسية والاجتماعية لهذه الهدنة.
القراءة الاستراتيجية للمرحلة الحالية تشير إلى أن النظام لجأ إلى التفاهم لأنه لم يعد قادراً على مواصلة الحرب بالكلفة نفسها. الاقتصاد منهك، الإيرادات النفطية والبتروكيماوية تعرضت لضغوط كبيرة، قطاعات الإنتاج والطاقة والدواء تعيش اختناقات حادة، والمجتمع يواجه تضخماً متراكماً وتراجعاً متواصلاً في القدرة الشرائية. لذلك لم يكن وقف الحرب خيار قوة، بل محاولة لشراء الوقت ومنع تراكم الأزمات في لحظة انتقال سياسي شديدة الحساسية.
التفاهم كأداة بقاء لا كتحول استراتيجي
لا توجد مؤشرات جدية على أن النظام غيّر طبيعته أو تخلى عن مشروعه النووي والعسكري والإقليمي. ما تغير هو التكتيك فقط. فبدلاً من المواجهة المفتوحة، انتقل إلى سياسة الاحتواء المؤقت، وضبط الجبهات، وتقليل الكلفة، والحفاظ على جوهر منظومته.
الهدف المباشر هو الحصول على متنفس مالي ونفطي، ومنع المزيد من الضربات، وإعادة ترتيب الأجهزة الأمنية، وإدارة مرحلة الخ*لافة وانتقال السلطة. ولهذا فإن الأموال أو التسهيلات التي قد تنتج عن التفاهم لن تتجه أولاً إلى معالجة الفقر أو البطالة أو أزمة الدواء، بل إلى ترميم مؤسسات القمع، وإعادة بناء القدرات العسكرية والأمنية، والحفاظ على الشبكات التابعة للنظام داخل المنطقة.
لكن هذه السياسة تحمل تناقضاً خطيراً. فالنظام يحتاج إلى التفاهم للبقاء، لكنه يخشى الاعتراف بأنه تراجع. ومن هنا تظهر الحرب على الرواية: الجناح التنفيذي والدبلوماسي يريد تقديم الاتفاق باعتباره ثمرة “القوة والمقاومة”، بينما يرى التيار العقائدي المتشدد أن التفاهم يهدم الخطاب الذي بنى عليه النظام شرعيته خلال عقود.
صراع داخل القمة وأزمة خلافة غير محسومة
أخطر ما يواجه النظام اليوم ليس الخلاف التقليدي بين من يريد التفاوض ومن يرفضه، بل الصراع بين منطقين داخل الحكم: منطق شراء الوقت لحماية النظام، ومنطق الحفاظ على الهوية الأيديولوجية ولو بكلفة تصعيد جديدة.
تيارات جبهة الثبات (جبهة بايداري) وسعيد جليلي والمحافل المرتبطة بالتشدد العقائدي تدرك أن التفاهم حصل بموافقة مركز القرار الأعلى، لكنها تحاول تحميل المسؤولية للمفاوضين واتهامهم بتجاوز الخطوط الحمراء. وفي المقابل، يصر فريق التفاوض على أنه ينفذ توجيهات رأس السلطة. وهذا يعني أن الكلفة السياسية ستصل في النهاية إلى مجتبى خامنئي، بوصفه مركزاً أساسياً في بنية القرار الجديدة.
إن نجاح مشروع الخ*لافة ليس مضموناً. فمجتبي يفتقر إلى الموقع التاريخي والكاريزما التي كان يمتلكها والده داخل هرم السلطة، كما أنه يرث نظاماً أكثر ضعفاً، واقتصاداً أكثر انهياراً، ومجتمعاً أكثر غضباً، وأجهزة حكم تعاني صراع المصالح وتراجع الثقة. وأي خلاف حول التفاهم أو توزيع السلطة أو مستقبل الحرس قد يتحول إلى شقوق يصعب إغلاقها.
الاقتصاد: متنفس مؤقت لا انفراج حقيقي
قد يؤدي وقف الحرب إلى تراجع محدود في سوق العملة والذهب، وإلى انخفاض جزء من التوتر النفسي في الأسواق، لكنه لا يستطيع إزالة أسباب الأزمة. فالأسعار ارتفعت بفعل التضخم المزمن، والعجز المالي، وانهيار الإنتاج، والفساد، وهيمنة الحرس الثوري على قطاعات واسعة من الاقتصاد.
كما أن أزمة الدواء، وغلاء الغذاء، وارتفاع الإيجارات، والبطالة، وتراجع الأجور، لا يمكن معالجتها عبر تحرير مبالغ محدودة أو تسهيل جزء من صادرات النفط. وإذا لم يشعر المواطن بتحسن ملموس، فإن التفاهم قد يتحول إلى عامل ضد النظام. فالناس سيسألون: إذا توقفت الحرب، فلماذا لم تنخفض الأسعار؟ وإذا عادت بعض الإيرادات، فلماذا لا تزال المستشفيات والدواء والمعيشة في أزمة؟
وهنا يكمن أحد أخطر السيناريوهات على السلطة: ارتفاع التوقعات الاجتماعية بالتزامن مع عجز النظام عن تلبيتها. فبدلاً من تهدئة الشارع، قد يؤدي وقف الحرب إلى إزالة الذريعة الخارجية التي استخدمها النظام لتبرير الفقر والقمع، ويكشف أمام المجتمع أن جذور الأزمة داخل بنية الحكم نفسها.
الأذرع الإقليمية: ضبط مؤقت وانتظار التعليمات
سيؤثر التفاهم أيضاً في شبكات النظام الإقليمية. ففي العراق، ستتعرض الميليشيات التابعة للحرس لضغوط من أجل تقليل الهجمات وعدم تخريب المرحلة التفاوضية. وفي اليمن، سيكون الحوثيون مضطرين إلى ضبط عملياتهم في البحر الأحمر والخليج، لأن أي تصعيد واسع قد يُعد خرقاً مباشراً للترتيبات الجديدة.
أما في لبنان، فالمعادلة أكثر تعقيداً. ح*زب ال*له هو أهم أداة استراتيجية لطهران، لكنه بات في الوقت نفسه عبئاً ثقيلاً عليها. النظام لا يريد التخلي عنه، لكنه قد يفرض عليه سلوكاً أكثر حذراً، مع الإبقاء على الخطاب التصعيدي. وهكذا قد يدخل لبنان مرحلة “التهديد بلا حرب شاملة”، حيث يحتفظ الحزب بسلاحه ودوره، لكن قراره يبقى رهينة احتياجات طهران التفاوضية.
غير أن هذا الضبط لا يعني نهاية مشروع التدخل. فالنظام استخدم سوريا ولبنان والعراق واليمن لتصدير أزماته وحماية نفسه من الداخل، ولذلك لن يتخلى عن هذه الشبكات ما دام قادراً على استخدامها.
لماذا يصبح الداخل هو الميدان الحاسم؟
تجربة العقود الماضية تثبت أن الحرب بالنسبة إلى النظام ليست مجرد سياسة خارجية، بل وسيلة لحماية الحكم. فهي تسمح له بتعبئة المجتمع، وتبرير القمع، وتأجيل المطالب الاقتصادية، وتصوير المعارضة باعتبارها خطراً أمنياً. أما السلام ووقف الحرب فيسلبانه هذه الذريعة، ولذلك يشكلان بالنسبة إليه تجرعاً لكأس السم.
وهذا ما يفسر موقف السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، التي رحبت بأي تفاهم يوقف الحرب وينهي مآسي الشعب الإيراني، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن إنتاج القنبلة الذرية، وإثارة الحروب، والتدخل في دول المنطقة، تشكل أجزاء من استراتيجية بقاء النظام. ومن هنا جاء تأكيدها أن إسقاط النظام ليس مهمة حرب خارجية ولا نتيجة صفقة دولية، بل مسؤولية الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
إن مستقبل النظام سيتحدد بالتقاء خمسة عوامل: نجاح أو فشل مشروع الخ*لافة، مستوى تماسك الحرس والأجهزة الأمنية، نتائج التفاهم الاقتصادية، اتساع الاحتجاجات الاجتماعية، وقدرة المقاومة المنظمة على تحويل الغضب المتفرق إلى حركة مستمرة وهادفة.
الخلاصة: النظام اشترى الوقت ولم يشترِ النجاة
التفاهم قد يمنح النظام أسابيع أو أشهراً لترتيب صفوفه، لكنه لا يمنحه حلاً. فإذا نجح في تخفيف الضغط الخارجي، سيواجه ارتفاع المطالب الداخلية. وإذا أعاد التصعيد، سيعود إلى العزلة والحرب والكلفة الاقتصادية. وإذا بقي في حالة “لا حرب ولا سلام”، فسيواصل استنزاف المجتمع والدولة حتى تتسع فجوة الانفجار.
لذلك فإن السيناريو الأرجح ليس استقرار النظام، بل انتقاله إلى مرحلة أطول من الضعف المنظم: سلطة تحاول البقاء عبر القمع المحدد، والرقابة الإلكترونية، والإعدامات الترهيبية، وإدارة حد أدنى من الاقتصاد، مع استمرار صراع الأجنحة والخوف من الشارع.
لقد أوقف النظام جولة من الحرب، لكنه لم يوقف أسباب سقوطه. بل إن التفاهم قد يكون بداية مرحلة يصبح فيها الداخل الإيراني، لا الجبهات الخارجية، الميدان الحاسم لتقرير مصيره.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني