آراء متنوعة

بابلو إسكوبار: الضحية التي أخافت النظام الدولي

أن في كل مرة ترفع فيها راية ” الأمن الإنساني ” في هذا العالم السياسي المتخم لتبرير إسقاط شخصية أو تقويض نفوذ ما ، يجدر بنا أن نتوقف قليلا لقراءة المشهد ونسأل انفسنا : هل ياترى فيما نراه هو الحقيقة كاملة ، أم مجرد نسخة مصاغة بعناية لخدمة مصالح أكبر؟ ، فقصة ” بابلو إسكوبار ” أحد أشهر وأخطر تجار المخ*د*رات في التاريخ ، والذي كان زعيم ” كارتل ميديين ” في كولومبيا ، وسيطر خلال الثمانينيات على جزء كبير من تجارة الكوكايين العالمية ، حتى لُقب ب ” ملك الكوكايين” ، قدمت قصته للعالم بوصفها معركة أخلاقية بين الخير والشر ، بين الدولة والج#ريم*ة ، غير أن ما خفي خلف الكواليس كان أعقد بكثير من هذه الثنائية السطحية ، فالرجل الذي صور كأخطر مجرم في التاريخ الحديث ، لم يكن يتحرك في فراغ بل داخل منظومة دولية سمحت له بالصعود ، واستفادت من خلاله ثم قررت التخلص منه عندما أصبح عبئا لا يمكن احتواؤه ، ومن خلال ذلك تحديدا لا تقرأ قصة إسكوبار كحكاية ج#ريم*ة فحسب ، بل كنافذة كاشفة على عالم تدار فيه السياسة بالظل وتستخدم فيه الأخلاق كأداة لا كقيمة

فعند العودة إلى الوراء في سجل الأحداث السياسية ، تبرز قصة بابلو إسكوبار بوصفها واحدة من أكثر القصص التباسا في العلاقة بين الج#ريم*ة المنظمة والدولة العميقة ، فالرواية الرسمية التي روج لها عالميا اختزلت الرجل في كونه ” خطرا إنسانيا ” بسبب تجارته الممنوعة ، لتبرر بذلك عملية تصفيته وتقويض نفوذه ، غير أن عند التمعن في تفاصيل تلك المرحلة يكشف لنا بأن هذه الحجة على وجاهتها الأخلاقية الظاهرية لم تكن سوى غطاء سياسي لاعتبارات أعمق وأكثر حساسية ، فإسكوبار لم يكن مجرد تاجر ممنوعات تقليدي ، بل كان لاعبا ذكيا استطاع أن يبني نفوذا عابرا للحدود ، وأن يفرض نفسه كرقم صعب في معادلات اقتصادية وسياسية غير معلنة ، هذا النفوذ وما كان يحمله من أسرار وأوراق ضغط ، جعلته مصدر قلق حقيقي لدول كبرى لا تقبل بوجود لاعب خارج منظومتها السياسية الخفية ، ولا تساوم من يهدد بكشف ما يدار لها في الظل ، ومن هنا يمكن النظر إلى ” الاعتبارات الإنسانية ” التي رافقت القضاء على إسكوبار بوصفها أداة خطابية أكثر منها دافعا أخلاقيا خالصا ، فالعالم آنذاك كما اليوم ، لم يكن خاليا من تجارات مشبوهة تمارسها قوى أكثر بطشا بتجارات تتجاوز في أثرها وحدودها ما قام به إسكوبار بآلاف الأميال ، ومع ذلك تدار تحت غطاء الشرعية أو الصمت الدولي

إن مقارنة واقعنا الحالي بتجربة إسكوبار تكشف لنا مفارقة صارخة في ان ما جرى تسويقه كمعركة أخلاقية ضد رجل واحد ، يبدو اليوم مجرد نقطة في بحر عالم كامل من المصالح السوداء التي تدمر الكيان الإنساني دون مساءلة حقيقية ، ليغدو إسكوبار نفسه هنا أداة ضمن لعبة أكبر ، استخدم ثم أُقصي عندما تجاوز الخطوط المرسومة له ، ولهذا فإن قصة ” بابلو إسكوبار ” لا تستحق أن تروى بوصفها حكاية ج#ريم*ة فحسب ، بل كدرس سياسي يتداول عبر الأجيال لفهم كيف تدار الغايات الكبرى وكيف يعاد تشكيل صورة الأفراد وفق ما تريده القوى المهيمنة ، لا وفق الحقيقة كاملة خشية أن يقام الحد على من يدير العالم من خلف الستار.

ففي عالم لا تدار فيه السياسة بالأخلاق بل بالمصالح ، لا يق*ت*ل الخطر لأنه خطر بل لأنه خرج عن السيطرة ، فبابلو إسكوبار لم يغتل لأنه دمر المجتمعات بالممنوعات ، فالعالم ما زال يدمر يوميا بتجارات أشد فتكا وأوسع نفوذا وتحت مسميات شرعية ، بل قضي عليه لأنه عرف أكثر مما ينبغي وامتلك من الأوراق ما كان كفيلا بإرباك منظومة كاملة بنيت على الصمت والتواطؤ ، والحقيقة التي لا يراد الاعتراف بها هي أن إسكوبار لم يكن استثناء في عالم الج#ريم*ة بل كان مرآة عكست قبح نظام دولي يتقن اختيار ضحاياه بعناية ، وحين قررت القوى الكبرى إسدال الستار عليه لم يكن ذلك انتصارا للإنسانية بل رسالة واضحة عنوانها ” من يسمح له باللعب ، ومن يقرر له أن يمحى من الرواية ” ، وبذلك لم يدفن بابلو إسكوبار وحده بل دفنت معه أسئلة كبرى عن عدالة العالم ونقاء الحروب التي تخاض باسمه وحقيقة من يملك حق تعريف الشر والخطر ، وأن لم تطرح هذه الأسئلة بجرأة في عالمنا اليوم ، سيبقى العالم يصفق لكل نهاية يزعم ” بنظافتها ” على انها انتصار ، بينما تدار الفوضى الحقيقية من خلف الستار بلا أسماء ، بلا محاكم ، وبلا مساءلة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى