مقالات سياسية
الغضب الأسطوري… زلازل جيوسياسية في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل النظام الدولي
فينوس بابان
تدخل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مع الدور المحوري لـ إس*رائي*ل مرحلة تتجاوز البعد العسكري المباشر لتصبح نقطة تحول استراتيجي قد تؤثر في النظام الدولي بأكمله ما يجري اليوم لا يمكن قراءته كتصعيد إقليمي محدود بل كاختبار شامل لمعادلة الردع العالمية ولمستقبل التوازن بين القوى الكبرى. العالم يعيش مرحلة انتقالية نحو تعددية أقطاب حيث تتابع قوى مثل الصين وروسيا وتركيا التطورات بدقة لأن أي تغيير في الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على بنية النفوذ الدولي. لذلك فإن هذه المواجهة ليست محلية بل ذات امتداد عالمي في تأثيرها السياسي والاقتصادي والأمني.
الولايات المتحدة تتحرك ضمن إطار إعادة تثبيت الردع ومنع أي اختلال استراتيجي في ميزان القوى ويرتبط هذا التوجه بمفهوم “السلام عبر القوة” القائم على استخدام التفوق العسكري لإجبار الخصوم على إعادة الحسابات وفتح مسارات تفاوض أكثر استقرارًا بهدف إدارة التصعيد ومنع توسعه. في المقابل تتعامل إيران مع الصراع باعتباره قضية استراتيجية تمس موقعها الإقليمي واستمرارية نظامها السياسي ولذلك فإن مسألة التغيير السياسي لا يمكن اختزالها في العمليات العسكرية فقط إذ إن الأنظمة الممتدة زمنياً تعتمد على عوامل داخلية مركبة تجعل السيناريو الأكثر واقعية هو إعادة ضبط معادلة الردع أو التوصل إلى ترتيبات استراتيجية جديدة بدل الانهيار السريع. اقتصادياً أي تصعيد واسع قد ينعكس على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد والاستقرار المالي الدولي مما يجعل احتواء التوتر هدفاً ذا بعد عالمي لأن الاقتصاد اليوم مترابط بطريقة تجعل أي اضطراب إقليمي مؤثرًا في كل القارات. أما العراق فيبقى في موقع حساس بحكم جغرافيته وتداخل بيئته الإقليمية ما يجعل الحفاظ على السيادة الوطنية ومنع توسع الصراع داخل أراضيه أولوية استراتيجية أساسية. وفي هذا الإطار يتميز إقليم كوردستان بموقف واضح قائم على الاستقرار والتوازن المؤسسي إذ يؤكد قادته أن أرضه لن تُستعمل كساحة لأي صراع عسكري أو تصفية حسابات إقليمية وهو التزام يعكس مسؤولية سياسية تحمي الأرض والشعب معاً ويعزز مكانته كمنطقة استقرار وأمان في بيئة إقليمية متقلبة.
إن العالم والدول اليوم بحاجة إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد تمتد لعقود مع خطط مستقبلية بعيدة المدى تصل إلى مئة عام إضافة إلى خطط بديلة قادرة على التكيف مع أي تغير في البيئة الدولية لأن النظام العالمي يشهد تحولات متسارعة وتداخلاً في الأزمات الأمنية والاقتصادية ما يجعل التخطيط الاستباقي وبناء المؤسسات القوية واعتماد الرؤية متعددة السيناريوهات عناصر ضرورية لضمان الاستقرار.
يمكن تصور أن هناك سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة إذ قد تتجه الأحداث نحو تثبيت معادلة ردع مستقرة تعيد التوازن بين الأطراف دون توسع شامل للصراع أو قد تستمر حالة استنزاف محدود طويل الأمد ضمن نطاق محسوب أو في حال التصعيد غير المنضبط قد يتسع نطاق المواجهة بما ينعكس على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي كما قد تؤدي الضغوط المتراكمة إلى تحولات استراتيجية داخل بعض الأطراف دون أن يعني ذلك انهياراً فورياً مع بقاء احتمال إعادة الاصطفاف الدولي قائماً في ظل تغير مراكز القوة في النظام العالمي.
ومن حيث المخاطر المحتملة فإن أي تصعيد يحمل في طياته احتمالات اتساع نطاق الاشتباك وتداخل ساحات الصراع واضطراب أسواق الطاقة وارتفاع مستويات التوتر السياسي والدبلوماسي إضافة إلى احتمالات الاستنزاف الطويل الذي قد يؤثر في الاستقرار الإقليمي كما قد يتأثر العراق بشكل غير مباشر عبر الضغوط الأمنية أو الاقتصادية الناتجة عن البيئة المحيطة مما يجعل إدارة التوازن الداخلي وتعزيز الاستقرار من الأولويات الأساسية في المرحلة الحالية.
إن اللحظة التي يشهدها العالم اليوم تمثل منعطفاً حقيقياً في توازن القوى الدولي. في زمن التحولات الكبرى لا تكفي القوة وحدها بل تصبح الرؤية بعيدة المدى شرطاً أساسياً للاستقرار. الدول التي تضع خططاً تمتد لعقود طويلة مع بدائل استراتيجية متعددة هي الأقدر على حماية أمنها في بيئة دولية متغيرة. الاستقرار وحماية الأرض والشعب وبناء مؤسسات قوية والتفكير للمستقبل البعيد هي العناصر التي ستحدد موقع أي دولة في النظام العالمي القادم.