الحركة الكشفية، جذورها وفاعليتُها الجزء الثاني

لويس إقليمس      

 

الحركة الكشفية، جذورها وفاعليتُها

الجزء الثاني

لويس إقليمس

بغداد، في أب 2018

 

المؤسسون والرواد الأوائلSaisissez du texte ou l’adresse d’un site Web, ou importez un document à traduire.

للحديث عن تاريخ تأسيس الحركة الكشفية، لا بدّ من المرور ولو على عجالة على ذكر الرواد الأوائل والقادة الذين طبعوا بصماتهم الشخصية عليها وفقًا لمبادئ مسيحية اتسموا والتزموا بها. فقد كانوا حقًا روادًا بموازين ومزايا عالية في الإنسانية وفي التعامل البشري المثالي، فسعوا عبر تفاعلهم مع المجتمعات التي عاشوا فيها من أجل خلق جسور للتفاهم والمحبة والتعاون بين الأمم والشعوب أجمع.

  • روبرت بادن باول (1857-1941م) المعروف باسم “إمبيسا ” (Impeesa)

روبرت بادن باول Robert Baden-Powell مواطن بريطاني، نال شهرة واسعة في بلده وفي العالم بسبب جدارته وشجاعته وسعة تفكيره. ولد في 22 شباط 1857م في لندن بانكلترا، وهو السادس بين الأخوة والثامن بين أفراد الأسرة. لُقب بلقب “Impeesa” وتعني في إحدى اللغات الجنوب الأفريقية المحلية المعروفة ب “بانتو” Bantu، ب”الذئب الذي لا ينام أبداً”. وقد رافقه هذا اللقب في مسيرته العسكرية أثناء خدمته في الجيش البريطاني في أفريقيا، وبعدها لدى تأسيسه لمنظمة الكشافة العالمية كحركة شبابية في 29 تموز عام 1907م.

ينحدر “باول” من أسرة بسيطة فقدت معيلها وهو في سن الثالثة من عمره. لم يسعفه الحظ أن يحظى بنظام دراسي جيد، بسبب عدم مقدرته على مجاراة الدراسة في صغره. بل كان شغفُه البارز ينصبُّ في استطلاع طبيعة الغابة التي كانت تجاور مدرسته وفي اكتشاف ما فيها من جواهر ومناظر طبيعية وحياة تعجّ بها. وهذا ما لاحظه عنه المقيمون على تعليمه منذ الصغر. فقد شوهد مرارًا وهو يتعقب الحيوانات البرية ويطارد الأرانب ليصطادها ويقوم بشوائها خلسة وبحذر، خشية تصاعد دخان نار الشواء وكي لا يفتضح أمرُه فيتحاشى المحاسبة. وعندما لم يستطع دخول الجامعة، اتجه صوب المدرسة العسكرية التي أثبت فيها نجاحه وتفوّقه بجدارة في سلاح الفرسان. وعندما أصبح برتبة “كابيتين” أي نقيب في الجيش، طرأت في مخيلته فكرة تشكيل دوريات استطلاعية قادرة على استكشاف منطقة الغابة ومعرفة ما في أركانها المترامية.

 جاء العام 1899 الذي فيه انبرت شجاعته وأثبت جدارته كعقيد في الجيش البريطاني عندما قاد سرّيته لإنقاذ مدينة Mafeking من الحصار المضروب عليها أثناء ما يسمّى بحرب “ال Boers  الثانية (1899-1902) في جنوب أفريقيا من قبل الهولنديين. ومنها انطلقت شهرتُه حيث استقبل في بلده إنكلترا استقبال الأبطال لدى عودته إليها بعد تحقيق النصر. ومما زاد في شهرته، اهتمامه بدور الشباب وإصداره كتابًا يتحدث فيه عن وسائل لمساعدة الكشافة Aids to Scouting. فقد استطاع بفضل خبرته في الجيش والفترة التي أمضاها في بطون الغابات، أن يحثّ مفاصل هامة في المجتمع البريطاني ومجاميع من الشباب للاستعانة بخبرته وطلب المشورة عبر رسائل مثيرة للغاية. وممّا ساعد في تغيير منحى حياته، استقالتُه من الجيش في عام 1907والتوجه نحو تعليم الشباب فنّ صناعة السلام بدل الحرب عبر الحركة الكشفية التي أسسها. وكان هدفه في بدايتها تعليم الفتيان فنون الاسعافات الأولية ووسائل بسيطة للدفاع المدني. وهذا كان أول الغيث حين تشكيل معسكره الأول للشباب في جزيرة “براونسي” لاختبار مبادئه في التربية والتعليم من خلال الألعاب الممارسة فيه وفسحة الاستقلال بالذات وبناء الثقة التي حاول زرعها في نفوس المشاركين. وبعد عامين، جاءته فكرة إنشاء فرقة خاصة بالفتيات، بعد تفاجئه بمشاركة فتيات في تجمّع أعدّ له على المستوى الوطني، وأوكل إدارته إلى أخته. ومن هذا التاريخ 1909 تشكلت فرقة المرشدات في الحركة الكشفية الدولية التي نعرفها اليوم على مستوى عالمي. وتلكم كانت انطلاقة الحركة الكشفية العالمية بشقيها الكشفي والإرشادي.

نال السير “بادن باول” وسامَ جوقة الشرف برتبة قائد في 1922 ووسام الصليب الأكبر والوسام الملكي وأوسمة وجوائز كثيرة أخرى. آخرُ وصاياه تُختصر في رسالته الأخيرة للمنضوين في الحركة الكشفية. ومما قاله فيها:” أعتقد أن الله قد وضعكم في هذا العالم كي تكونوا سعداء وتستمتعوا بالحياة. ليست الثروة ولا النجاح ولا التسامح هي التي تخلق السعادة. دراسة الطبيعة تعلّمكم أنّ الله قد خلق أشياء جميلة ورائعة للتمتع بها. إفرحوا بما لديكم واسعوا لتحقيق الأفضل. انظروا إلى الجانب المشرق في الأمور وليس الظلامية منها. إجعلوا العالم أفضل مما كان عليه حين قدومكم. وحين اقتراب ساعة الموت، يمكنكم قبوله بسعادة لأنكم لم تضيعوا الوقت، وأيضًا لقيامكم بفعلِ أفضلَ ما لديكم. كونوا مستعدين للعيش بسعادة والموت بسعادة. كونوا دائماً أوفياء للوعد المقطوع، حتى حين بلوغكم سن الرشد. أعانكم الله. محبُّكُم بادن باول”.

 كانت وفاتُه في 8 كانون ثاني 1941 عن عمر 83 سنة.

جاك سيفن Jacques Sevin (1882-1951)

ولد جاك سيفن في 7 كانون أول 1882م في مدينة ليلي بشمال فرنسا. سيم كاهنًا في 2 آب 1914م. ينتمي جاك سيفن إلى الرهبنة اليسوعية، ويُعدّ المؤسس الحقيقي للحركة الكشفية في فرنسا عام 1919 بالمشاركة مع كاهن آخر يدعى كورنيت، بالرغم من ظهور أولى بوادرها في عام 1911م أي بعد أربعة أعوام من تشكيلها في إنكلترا على ايدي بادن بأول. وكان قد وضع برنامجه لتأسيس أول فرقة كشفية في عام 2017، سرعان ما تطورت إلى حركة واسعة في البلاد بعد عامين ليتولى قيادة الحركة في بلاده سنة 1920م. دامت قيادته لها أكثر من عشر سنوات، وقد منحها طيلة تلك الفترة عمقًا روحيًا عندما أعاد صياغة قوانينها والقَسَم الذي يردده المنتمي إليها بحيث جعلها ملتصقة بإيمان الكنيسة الكاثوليكية ومبادئها وعقائدها. وهنا كان لا بدّ له من محاججة أصحاب الظنون الخبيثة من الوسط الكنسي نفسه، من المشككين بمفاعيل هذه الحركة ومبادئها من الذين صبّوا جام اتهاماتهم آنذاك بتبنّي مؤسسيها أفكارًا فراماسونية أي ماسونية (البنّاؤون الأحرار) التي تدعو لتحقيق الإنسانية وفق تصورات الفرد الشخصية واستخدام السبل الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف. وهذا المفهوم قريب بعض الشيء ممّا أورده المفكر الفرنسي جان-جاك روسو في طروحاته ومؤلفاته عبر سمفونية تجمع بين شكل الطبيعة والإيمان الذي يعدّه روسو شيئًا إلهيًا واحدًا. بمعنى آخر، تُتهم بدايات الحركة الكشفية في فرنسا بتبنيها المفهوم الفكري الذي كان ينظر إلى الطبيعة والكون باعتبارهما إلهًا أي أن الله هو الكون وهو الطبيعة أيضًا.

لا شكّ أنَّ مثل الأفكار والمفاهيم كانت تشكل في تلك الفترة الناهضة شيئًا من الإشكالية وتحتاج لنوع من التصفية أو الفلترة والعزل الفكري بين الهدف والنتيجة. ولعلّ من جملة ما كانت تشكله هذه الحركة في بدايات تأسيسها أيضًا، ما رآه البعض من منافستها لأصحاب القرار في المؤسسات الكنسية أو الراعوية من حيث تسليمها بأهمية مشاركة العلمانيين في اتخاذ القرارات التي تخص المؤمنين والمؤسسة الكنسية في كل رعية. وهذا ما حدا بالأب “سيفن” تحت سيل الانتقادات أن يتخلى عن مسؤوليته في عام 1924، وابتعاده النهائي عن اي نشاط فيها في عام 1933 لأسباب تتعلق بسوء فهم واختلاف في وجهات النظر. ولكن الحركة احتفظت له بجملة تراتيل وأنشودات، ولاسيّما المتعلّق بلحن القَسَم الذي يؤديه الفتى والفتاة.

عانى “جاك سيفن” من الإهمال والتجاهل لسنوات. لكنّ الكنيسة قد أعادت له ما استحقه من واجب التقدير والاحترام والشرف في عام 2012.

التقى لأول مرة مع المؤسس الأول للكشافة العالمية “بادن باول” في لندن في 20 أيلول 1913، وفيه تناقش الرائدان حول تشكيل كشافة كاثوليكية في فرنسا.

توفي ليلة 19/20 تموز 1951م والصليب لا يفارقه. أعلنه البابا بندكتس السادس عشر طوباويًا في 10 أيار 2012.

  • ألبرتين دوهاميل Albertine Duhamel  (1871-1937)

لم تكن حياة هذه المرأة سهلة، فقد تيتمت وهي في عمر 14 عامًا، لكنها أبدت من القوة والشجاعة في شخصيتها ما جعلها ترتقي منصب الأمين العام لرعاية الإناث في عام 1910. وكان أنْ فقدت ابنها في أتون الحرب العالمية الأولى، ما دفعها للانخراط في منظمات عديدة، منها تلك المهتمة آنذاك بإنقاذ الطفولة والأيتام القاصرين. تولت إدارة أول مدرسة لإعادة تأسيس دار تأهيل المشوّهين والمعاقين بين عامي 1914 و1919. كما اتخذت على عاتقها مشروع الوجبات الشعبية ومحطات استراحة للعلاج للمحتاجين من المهمّشين لهذه الخدمة الإنسانية. ومجمل هذه المشاريع قادتها لاحقًا للانخراط في أنشطة الحركة الكشفية. فقد تمكنت بالتعاون مع زميلتها ماري دييمر Marie Diémer الرائدة في مجال العمل الاجتماعي لصالح النساء من تقدير أهمية استقطاب الفتيات في العمل الكشفي. لذا في عام 1923، تمكنت من توحيد مجموعات مختلفة للإرشاد الكاثوليكي لتخرج بنتيجة أكثر تعميمًا للفائدة عبر تأسيس ما أسمته بالمرشدات في فرنسا. وهذا العمل حمّلها مسؤولية إدارة فرق المرشدات الرئيسية في البلاد حتى وفاتها في عام 1937.

  • ميشيل مينو Michel Menu (1916- 2015)

ولد “ميشيل” في 3 شباط 1916م من أسرة فرنسية مسيحية كاثوليكية، وعلى أساسها ربّى أولاده الخمسة. حصل على شهادة الهندسة ومارس الكتابة. يُنظر إليه باعتباره واحدًا من أعمدة الحركة الكشفية ليس في فرنسا فحسب، بل على الصعيد العالمي. تولى إدارة الحركة الكشفية في فرنسا في فترة حرجة بين 1946-1956م. من جملة ما أضافه إليها، التأكيد على الاحتياجات الروحية للمنضوين للحركة الكشفية وحث الشباب على إعادة إعمار البلاد.

 أسّسَ “رابطة الكشافة” ومن ثم جرى دمجها مع الحركة الكشفية والمرشدين فيها. عمل بجدّ على تجديد الحركة الكشفية عبر أساليب مستنبطة من أجل خلق نخبة من الشبيبة متحمسة لممارسة تقنيات حديثة تمسّ الحياة اليومية، كالميكانيكا والطيران والهبوط بالمظلات، والرياضة القتالية وما سواها. وقد وصل أعداد الشباب الذين تعلموا الفنون القتالية في فترة 10 أعوام ما يربو على 10-15% من عموم المجاميع الكشفية ممّن أتيح لهم وضع القبعات الخضراء فوق رؤوسهم.  وأضاف إلى هذا النشاط فكرة إنشاء شبكة من “الدوريات الحرة”، لتعمل في المناطق الريفية أو في الضواحي. كما يُحسب له دفاعُه عن “علم التربية الأساسية المتكاملة” المستندة إلى مفهوم “الوحدة” للمجاميع العمرية بين 12-17 عامًا، كنوع من التصدّي لبوادر الانشقاق التي ظهرت خلال فترة أزمة الستينات من القرن المنصرم.

في عام 1969، أطلق مبادرة رياضية جديدة تحث الشباب من الفئات العمرية بين 18-35 عامًا لمسيرات من المشي الطويل لفترة قد تمتد أسبوعًا في عمق الصحراء وقطع مسافة تصل إلى 150 كيلومترًا أحيانًا. وقد بلغ عدد المتطوعين في هذه المسيرات الشاقة ما ينيف على 15000 شابًا يرتدون جلابية موحدة، خبروا فيها برنامجًا مكونًا من رياضة المشي وتناول وجبة رئيسية من الرز والنوم تحت جناح الظلام وترقب النجوم والتأمل في السماء. وكل هذا من دون اللجوء إلى وسائل اتصال أو استخدام هاتف أو ارتداء ساعات تذكّر بالوقت كي يبقى الفرد المشارك خارج الوقت. وبهذه الأفكار اثبت “مينو” قدراته كقائد ومفكر ومراقب.

بوفاته في 2 آذار 2015 عن عمر يناهز 99 عامًا، فقدت الحركة الكشفية واحدًا من أهمّ رموزها، وقد استحق منها كل اعتبار وتقدير.

  • فرانسوا ليبوتيه François Lebouteux (ولد في24 تموز 1929م)

كانت ولادته في عام 1929م، وسُمّي بالمجدّد. خلف “ميشيل مينو” على رأس الحركة الكشفية في فرنسا وهو بعمر 85 عامًا. كما ترأس مفوضية الحركة الكشفية الوطنية لمدة خمس سنوات، عندما وصل عديدُها مائة ألف مرشدة ومائتي ألف فرد من الكشافة. كانت له أفكار مجدِّدة في ترسيخ الأهداف وأساليب العمل واقتراح البرامج وتنفيذها، ما سهّلَ له تجديد القوانين الكشفية في فرنسا حينما سنحت له الفرصة بذلك. نالت تساؤلاتُه وأفكارُه قدرًا من الاهتمام في تحديد النمط المطلوب في عصره من الرجال والنساء في المجتمع، وفي طبيعة الالتزام الأدبي والأخلاقي الذي يحتاجه كلٌّ من المجتمع والدولة على السواء. وهذا ما رفعه إلى مصافي المصلحين الكبار ومهندسي الحركة في العام 1964، عندما ارتأى أن الوقت قد حان لتغيير قوانينها عبر تقسيمها إلى فئتين عمريّتين من الجوالة Rangers (11-13 سنة)، والطلائع Pionniers (14-17 سنة) وتطوير عملها وتغيير زيّها. كان الهدف من هذا التغيير إحداث طفرة في مفهوم وسائل التعليم التربوية في فرنسا تماشيًا مع الحاجة والعصر. لكنّ هذه الخطوة لم تسلم من الانتقادات من جانب نفر من قدامى الكشافة التي رأوا فيها خروجًا عن الأسس الأولى، ما جعل التناغم بين القديم والجديد صعب القبول بسبب هذا التقسيم العمري.

كان ملهمُه الأول في هذه الرؤية الجديدة، الأب اليسوعي “سيفن”، مستفيدًا من فكرة أسلوب حياة العمال في المعسكرات السوفييتية آنذاك بالتقليل من مسارات العمل المؤسسي وأسلوب الإدارة ولاسيّما في المجال الروحي. لكنه استفاد من المبدأ الذي استقاه من رائد الحركة الكشفية “بادن باول” في الاعتماد على مبدأ الحدس في تقدير الأحداث. ويدور الزمن لتعود وحدة التسمية “الكشفية” إلى الحركة في فرنسا في العام 2004.

شاهد أيضاً

على مَن يبكون وعلى مَن يضحكون؟ إنهم أساطين الشرّ والفساد!

لويس إقليمس            بغداد، في 5 كانون أول 2018 على مَن …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن