البطريرك ساكو يحضر مؤتمراً في باريس عن تطوير  مفهوم “المواطنة الحقيقية”  شرط ضروريّ  لنهضة العراق

 البطريرك ساكو يحضر مؤتمراً في باريس عن تطوير  مفهوم “المواطنة الحقيقية”  شرط ضروريّ  لنهضة العراق
 
إعلام البطريركية
 
وصل غبطة أبينا البطريرك مار لويس روفائيل ساكو ليلة أمس الى باريس لحضور مؤتمر  عن   تطوير  مفهوم “المواطنة الحقيقية”  شرط ضروريّ  لنهضة العراق والمنعقد في باريس يوم الخميس 12 نيسان 2018. حضر المؤتمر عدد من الشخصيات من الوطن العربي وخارجه.
 
وفيما يلي نص مداخلة غبطته باللغتين العربية والفرنسية في المؤتمر:

 

تطوير  مفهوم المواطنة الحقيقية شرط ضروريّ  لنهضة العراق

لويس روفائيل ساكو

ترجمة المطران د. يوسف توما

كركوك 11 نيسان 2018

شكراً لاهتمامكم بتنظيم هذا المؤتمر حول المواطنة. إنه لمن دواعي سروري أن أكون هنا، بهدف تعزيز السلام والكرامة للعراقيين بغض النظر عن أي اعتبار للدين أو الجنسية.

  1. يوجد اليوم حالة ذهنية جديدة بين العراقيين، لكن الانقسامات تظل راسخة بعمق:

بعد تسعة أشهر من نهاية معركة الموصل وهزيمة داعش في العراق، تمر بلادنا بمفارقة مفادها: أن هناك شوقا كبيرا بين العراقيين ألا يعودوا يعيشون متأخرين عن ركب الحداثة وأن يقلبوا صفحة الحروب والانقسامات. إن معظم الناس الذين يمكن مقابلتهم في العراق سيقولون إنهم يريدون طيّ صفحة الانقسامات والطائفية لأن الطائفية هي ضد مفهوم المواطنة.

ومع ذلك، يبدو أن المجتمع العراقي لا يزال يتميزّ بخطوط انكسار عميقة.

إن الانقسامات التي تشق المجتمع العراقي عديدة بالفعل. إنها قبليّة وعرقية ودينية أو ثقافية أيضًا. عليك أن تتصوّر أن اليوم، في عدد من المناطق الريفية في العراق، يُعد الانتماء إلى القبيلة كعلامة الهوية الأولى. مع ذلك، سيكون من البسيط أن يكون انتماء الشخص إلى القبيلة كافياً لتحديد هويته. لكن في الواقع هؤلاء الناس هم أعضاء في أسرة تنتمي بدورها إلى عشيرة وهي نفسها جزء من القبيلة.

لهذا الواقع القبلي يجب أن يضاف الانتماء الديني: فالعديد من القبائل نفسها مقسّمة بين الشيعة والسنة.

علاوة على ذلك، من بين هذه القبائل، يمكنك أن تتخيل أنه خلال تاريخ العراق المضطرب منذ عام 2003 كانت هناك خلافات سياسية، وقد اختار بعضهم دعم  معارضة الحكومة بينما فضل آخرون العمل معها.

أخيراً، لن تكون ملاحظاتي كاملة إذا أحجمت عن ذكر افتخار سكان المدن العراقية الكبرى، مما قد يخلق أحياناً قطيعة كبيرة مع سكان المناطق الريفية المحيطة.

إذا ما قاطعنا تداخل الانتماء القبلي والديني والخيارات السياسية والنزعة الجغرافية، فعندئذ سنفهم الحاجة الملحة إلى تعزيز التماسك الوطني المبني على الانتماء المشترك إلى المدينة نفسها.

مع ذلك، لا يستطيع المرء تنظيم حياة المدينة في القرن الحادي والعشرين كما كان ذلك يحدث في عصر المسيح أو في القرن الأول للهجرة. الوثائق القديمة التي تعود إلى 14 قرنا، مثل وثيقةالمدينة المنورة أو   عهدة الخليفة عمر، لم تعد قادرة على حل المشاكل السياسية والاجتماعية اليوم.

لذلك، من الضروري أن نتكيّف مع الواقع كما هو وأن نأخذ في الاعتبار التنوع والتعددية التي تميز مجتمعاتنا.

  1. المواطنة هي الطريقة الوحيدة لتجاوز الانقسامات:

إن المواطنة هي الحل الوحيد لمستقبل العراق. ويجب أن تكون هذه المواطنة للجميع؛ أي تحت خيمتها ينضوي الكل، وتتم حماية كل شخص بغض النظر عن انتمائه العرقي والديني. إن مفهوم المواطنة يساعد على وضع حد للتمييز والإقصاء، كما هو الحال في الغرب الديمقراطي. فالانتماء للوطن يلغي أن يكون هنالك أغلبية دينية أو عرقية أو حتى مفهوم الأقلية. إذ تسمح المواطنة للجميع بالحماية لأن الجميع سيخضعون للقانون نفسه.

مع ذلك، لكي تصبح المواطنة حقيقية ولا تبقى مفهوما غامضا، يجب أن يتم تجسيدها بشكل ملموس في أداء الخدمات العامة العراقية. من الضروري أن يستمد العراق من الديمقراطية بحيث لا تعود وظائف الخدمة المدنية منسوبة بحسب الروابط الأسرية أو الانتماءات ولكن فقط وفق الكفاءة. إذا كان العراقيون يعرفون أن لأولادهم نفس الفرص للنجاح، فسوف يشعرون بمزيد من المواطنة. إذا كان العراقيون يعلمون أن الشرطي الذي يفتّشهم هو هنا لأنه خضع للتعيين اعتمادا على مهاراته، فإنهم سيحترمونه بالأكثر. عندئذ العلاقة المتكاملة بين المواطنين وبين ممثلي الدولة ستتغير بنحو إيجابي.

  1. ما هو تأثير الدين على المواطنة؟

المواطنة نظام مدني ديمقراطي لا يتعارض مع القيم الدينية. ففي الإنجيل نقرأ: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (مت 22/21). كما أن إخواننا المسلمون يكررون باستمرار: “الدين لله والوطن للجميع”. بالنسبة لنا كمواطنين مسيحيين، إن المواطنة جزء لا يتجزأ من ثقافتنا اليوم. نحن نرحب بفصل الدين عن السياسة. ويجب أن يركز الخطاب الديني بشجاعة على الدفاع عن حقوق الإنسان. كما أن على رجال الدين أن يحافظوا بقوة على دورهم النبوي الشجاع في المجتمع للدفاع عن كرامة الإنسان والعدالة. الله محبة ورحمة، ومن لا  يوجد الحب في قلبه لا يعرف معنى الدين.

أما الصراع بين الأديان فهو فضيحة. بل هو جريمة أن يُضطَهَد الناس بسبب إيمانهم، كما حدث في العراق أو سوريا أو مصر أو نيجيريا على سبيل المثال.

نحن المواطنون من الديانة المسيحية، عانينا الكثير من الطائفية والتطرف الإسلامي. وهذا ما دفع بعضًا من شعبنا للهجرة بالرغم من كوننا جزء مهم من تاريخ العراق. ومع ذلك، لا يوجد حتى اليوم في الكتب المدرسية حتى سطر واحد يتحدّث عن تاريخنا وديننا وكل ما قدمناه لإخوتنا المسلمين وضحينا به لبلدنا.

من أجل أن تأخذ المواطنة كلّ مكانتها في العراق، من البديهي أن  الانحاول  إنكار المكانة التي تحتلها الأديان في تاريخ بلدنا. بل على العكس من ذلك، يجب أن تكون المواطنة وسيلة للأديان وللحركات الروحية لكي تتحرّر من ثقل السياسة، وتتمكن من أن تتكرّس للسهر على ضمان مصلحة نفوس أتباعها وممارسة الأعمال الخيرية. وبعد أن تكون الأديان قد تحرّرت من الدور السياسي الذي قادها إليه تاريخ العراق، ستعود الأديان من جديد إلى الاضطلاع بمهمتها الحقيقية.

  1. لكي تسود مواطنة عملية في العراق، من الضروري تطوير عدة نقاط محددة:

للخروج من الخطابات  الانشائية، إليكم بعض افكار ملموسة نرغب أن نرى تطبيقها في بلدنا:

– إن التحدي الرئيس بعد داعش، هو التعليم. من أجل هذا من الضروري إصلاح المناهج المدرسية وتطهيرها من كل خطاب كراهية أو عنف أو انتقام. وقد تم بالفعل تنفيذ هذا العمل في بلدان أخرى في الشرق الأوسط، كما هو الحال في لبنان، وذلك بفضل مؤسسة “أديان”. هذا إذن ممكن.

– من الضروري إجراء إصلاح على الدستور والقوانين بحيث تحترم الحياة وتشجع على السلام والاستقرار وتقوم الدولة بحماية الجميع وتقف على مسافة واحدة من كل شخص لتطبيق القوانين. وعلى وجه التحديد، لكي يشعر كل شخص بالمواطنة، من الضروري إزالة ذكر الدين على أوراق الهوية والأعمال الإدارية. مثل هذا القرار أبعد ما يكون عن كونه مثاليا. بحيث سيختفي العديد من أسباب التفرقة والتمييز بسبب ذكر الدين في أوراق الهوية، وهذا ما سيسمح بحرية دينية أكبر. وستكون النتيجة إمكانية أن تحتفظ المرأة بدينها إذا ما، على سبيل المثال، أصبح زوجها مسلماً. ولن يصبح أطفال هذين الزوجين مسلمين بشكل تلقائي.

– من الناحية القانونية، نحتاج إلى سلطة لضمان التفسير الصحيح للقانون وإنشاء قانون محاكمات محدّث. هناك أيضا حاجة إلى التوعية بحقوق الإنسان ومبادئ المواطنة والمساواة.

كل هذه الإجراءات، إذا تم تطبيقها تدريجياً، ستسمح بظهور الديمقراطية الحقيقية وسيادة القانون في العراق، كما هو الحال في الغرب. على هذه القواعد، يمكن للبلد الشروع في مسار التقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

 

 

الخبر نقلا عن موقع البطريركية الكلدانية

 

شاهد أيضاً

البابا: إن كنت قد ابتعدتَ عن والدَيك اجتهد وعُد إليهم

البابا: إن كنت قد ابتعدتَ عن والدَيك اجتهد وعُد إليهم الفاتيكان نيوز / موقع ابونا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.