مقالات سياسية

أمريكا والخروج من العراق

الكاتب: بطرس شمعون آدم
أمريكا والخروج من العراق
 
بدأ العد التنازلي للشهور المتبقية للوجود الأمريكي المُسَلَّحْ في العراق , وبدأت مختلف الجهات والأحزاب النافذة على الساحة العراقية تدلو بدلوها , منها المؤيّدة للأنسحاب ومنها المتخوّفة منه وهي جميعها , سواء المؤيدة أو الداعية لبقاء القوات الأمريكية , لا يرون الجزء الغاطس من سفينة السياسة الأمريكية في المنطقة , وانما يحكمون على ما برز من الجزء الطافي فقط . وقبل الأستمرار في الموضوع علينا أن لا نهمل حقيقة ثابتة وهي أن جميع الأحزاب المُسيطرة على ساحة السياسة العراقية , جائت بها الدبابة الأمريكية , ولم يكُن لها أي دور في أسقاط النظام السابق, بل كان دورها الوحيد قبل أيصالها للعراق , هو ما عقدته من أجتماعات ومؤتمرات وتنسيق بينها وبين أمريكا لسنين عديدة , وأستيعابها التام لدورها الذي خططته أمريكا لمختلف الأمور وهذا ما حدث وتم تطبيقه على أرض الواقع ما بعد الأحتلال .
 
زرعت أمريكا بذور الأنشقاق , وأرست الأسس الدائمة للصراعات بين مختلف القوميات والطوائف والأديان والمذاهب بالدستور السيىء الصيت الذي شرّعه الحاكم الأمريكي ( بريمر ) مع مستشاره الصهيوني ( فيلدمان ) والذي حوى على بعض المواد ظاهرها ديمقراطي , ومعظم المواد الأخرى كانت عاملا رئيسيا لأحداث صراعات وأنشقاقات وبث الفرقة والعداوة بين أفراد الشعب العراقي , وأستنادا على هذا الدستور المُلغَمْ جرت الأنتخابات الأولى والثانية التي منحت شرعيّة كاذبة للأحزاب القومية الشوفينية والطائفية الدينية لتنفيذ ما أتفقَتْ عليه مع المُحتل الأمريكي من خلال مؤتمراتها التي سبقت الأحتلال .
 
واليوم تحاول كلتا الجهتان , المعارضة والمؤيدة للأنسحاب ( وكلتاهما خرجتا من تحت عباءة المُحتل ) , كلتاهما تحاولان تثبيت الوجود المُسَلَّحْ الأمريكي لما بعد كانون الثاني 2012 ولكن كل منها بطريقتها الخاصة , فالأحزاب السنيّة الأسلامية والأحزاب الكردية وتابعتها الأحزاب الآثورية , تبدو صريحة الى حد ما في دعوتها لأبقاء الوجود المُسلّح الأمريكي بدعوى عدم جاهزية القوات المسلحة العراقية لحماية الأمن الداخلي والحدود الدولية , وهي طبعا لا تستطيع مُساءلة الحكومة الأمريكية عن سبب عدم جاهزية الجيش العراقي طيلة فترة الثمان سنوات التي مرّت , ومليارات الدولارات التي صُرفَتْ على هذا الجيش التي كانت مسؤولة عن ألغائه وتسريح عناصره المدرّبة . أما الأحزاب الشيعية التي تُظهِرْ مُعارضتها للوجود المُسلّحْ الأمريكي ( ظاهريا ) فأنها بحركاتها البهلوانية , وأستعراضها لقوّتها الكارتونية , تدعو وتوحي للشعب العراقي بأن يتشبَّثْ بالوجود الأمريكي ليحمي العراقيين من العصابات الشيعية المنفلتة وترهيبهم وتخويفهم في حالة ترك أمريكا الساحة لهذه المليشيات الشيعية , وهي بذلك تحاول محو حقيقة من ذاكرة العراقيين ولا سيّما أهالي مدينة بغداد وهي أنه بقوّة تعدادها (600) عنصر من فوج طوارىء بغداد كان الأمن والأستقرار مستتبّا ويسود العاصمة بغداد ذي الستة ملايين نسمة في عهد النظام السابق !!!
 
واهِمُ كثيرا من يعتقد أن الجهد الذي بذلته أمريكا لسنين طويلة وحتى قبل الحصار الجائر الذي فُرضَ على العراق , والخسائر الجسيمة بالأرواح وبالمعدات وبالأموال الذي تكبدتها أمريكا في العراق والتي كانت عاملا رئيسيا للتدهور الأقتصادي الحالي الذي تعانيه أمريكا , واهِمُ كثيرا أِن أعتَقَدَ ولو للحظة أنه يمكن أن تخرج أمريكا من العراق بتظاهرة كارتونية لعصابات مُسَيَّرة .
 
أن الخروج الأخلاقي لأمريكا التي تَدّعي بأنها تثِقُ بالله ( وهذا مطبوع على عملتها – الدولار) فأذا كانت تثق بالله عزّ وجلّ, فأن الله عزّ وجلّ لا يريد لمن يثقون به أن تُدَمّر دولا وشعوبا لم تعتدِ عليها , والله سبحانه وتعالى لا يدعو الى سلب ونهب أموال الغَيْر بالقوة الغاشمة , والله سبحانه وتعالى يكره ويبغُضْ من يشَرّد شعبا من بلاده ويَتَسَبَّبْ بمقتل وتشريد الملايين من أبنائه , إن على أمريكا (قبل تركها للعراق) واجب أخلاقي بتصحيح كلّ ما كانت سببا في خرابه وجميع الأخطاء التي أعترفَتْ صراحة وعلى لسان العديد من مسؤوليها الكبار,  وأعادة الحقوق لأصحابها الحقيقيين من الذين سُلِبَتْ منهم ومُنِحَتْ للعملاء الراكبين في قطار الأحتلال دون وجه حقّْ , وأعادة الأمن والأستقرار للعراق , ومحاسبة كل من أستغلّ عمالته لها ليستحوذ على حقوق الغير وتنظيف الدولة من السُرّاق واللصوص والمُرتَشين , وأعادة هيبة وقوّة العراق التي دمّرتها بفعل قوّتها الغاشمة لصالح أعداء العراق , حينئذ تُثبِتْ أمريكا بأنها فعلا تَثِقْ بالله سبحانه عزّ وجلّ .
 
بطرس آدم
462011
 
..

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.