عندما تهزم السياسة الرياضة: كيف أهانت أمريكا كرة القدم قبل
عندما تهزم السياسة الرياضة: كيف أهانت أمريكا كرة القدم قبل أن تبدأ البطولة؟….
قرار منع الحكم الصومالي المعتمد من قبل الفيفا من دخول الولايات المتحدة لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري عابر أو تفصيل بيروقراطي في سجلات الهجرة. فالقضية أكبر من شخص واحد، وأعمق من ختم على جواز سفر، لأنها تمس جوهر الفكرة التي قامت عليها الرياضة العالمية منذ عقود: أن تكون المنافسة الرياضية مساحة تتجاوز الانقسامات السياسية والعرقية والجغرافية، لا أن تصبح ضحية لها.
الحكم الذي تم منعه لم يكن سائحًا مجهول الهوية أو مسافرًا عاديًا وصل إلى المطار مصادفة، بل كان جزءًا من منظومة رياضية دولية اختارته الفيفا بعد سنوات طويلة من العمل والاختبارات والتقييمات الدقيقة. فالوصول إلى قائمة الحكام المعتمدين لإدارة البطولات الكبرى لا يتم بالمحاباة ولا بالصدفة، وإنما عبر سلسلة معقدة من الاختبارات الفنية والبدنية والانضباطية التي تخضع لأعلى درجات التدقيق. لقد خضع الرجل لمعايير مهنية صارمة أقنع من خلالها أكبر مؤسسة كروية في العالم بقدرته على إدارة المباريات في أعلى مستوياتها، لكن كل ذلك بدا بلا قيمة لحظة اصطدم بقرار إداري صادر من خلف مكتب في المطار.
هنا تكمن المفارقة الصادمة. فالدولة التي تستعد لاستضافة أكبر حدث كروي عالمي، والتي يفترض أن تقدم نفسها بوصفها نموذجًا للانفتاح والتعاون الدولي، بعثت برسالة معاكسة تمامًا. رسالة تقول إن الاعتبارات السياسية والأمنية يمكن أن تتقدم على كل شيء، حتى على التزامات رياضية دولية يفترض أنها تمثل روح البطولة ذاتها.
لا أحد يجادل في حق الدول في حماية حدودها وتطبيق قوانينها، لكن الحقوق تتحول إلى مشكلة عندما يجري استخدامها بطريقة تضر بمبادئ أخرى لا تقل أهمية. فالسيادة ليست رخصة مفتوحة لإفراغ الأحداث الدولية من مضمونها، ولا ينبغي أن تتحول الإجراءات الإدارية إلى أداة تضعف الثقة في المؤسسات الرياضية العالمية. وإذا كان حكم تم اختياره بعناية من قبل الفيفا لا يستطيع الوصول لأداء مهمته، فكيف يمكن الحديث عن بطولة عالمية تقوم على تكافؤ الفرص والانفتاح بين الشعوب؟
ولم يعد الجدل مقتصرًا على واقعة الحكم الصومالي وحدها، بل امتد إلى شكاوى وانتقادات صدرت من شخصيات ومسؤولين رياضيين أفارقة بشأن طبيعة الإجراءات المتبعة بحق بعض الوفود القادمة للمشاركة في المنافسات الدولية. فحين يشعر القادمون إلى حدث رياضي عالمي بأنهم يخضعون لمعاملة استثنائية أو لإجراءات تفتيش تتجاوز ما يعتبرونه حدود التعامل الطبيعي مع وفود رياضية رسمية، فإن الضرر لا يقع على الأشخاص وحدهم، بل ينعكس على صورة البطولة والدولة المضيفة معًا. فالرياضة التي يفترض أن تكون جسرًا بين الشعوب تفقد جزءًا من رسالتها عندما يصبح أول ما يواجه المشاركين ليس أجواء المنافسة والاحتفاء، بل شعور بالريبة والتشكيك والإجراءات المرهقة.
الأخطر من ذلك أن تكرار مثل هذه الوقائع يفتح الباب أمام تساؤلات محرجة حول معايير التعامل ومدى المساواة بين المشاركين القادمين من خلفيات وجنسيات مختلفة. فحين تتراكم الحوادث وتتشابه الشكاوى، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المتابعون: هل يتم التعامل مع جميع المشاركين بالمعايير نفسها؟ وهل تحظى جميع الجنسيات بالقدر ذاته من الاحترام والثقة؟ وهي أسئلة ربما لا ترغب الدولة المضيفة في سماعها، لكنها تصبح حتمية عندما تتكرر المشاهد ذاتها.
إن ما حدث لا يسيء إلى الحكم الصومالي وحده، بل يسيء إلى فكرة الرياضة العالمية نفسها. فالرسالة التي تصل إلى ملايين المتابعين حول العالم هي أن الجدارة والكفاءة والاعتماد الدولي قد لا تكون كافية عندما تتدخل الحسابات السياسية والإدارية. وعندما تصل الرياضة إلى هذه النقطة، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون حكمًا أو منتخبًا أو اتحادًا رياضيًا، بل الفكرة التي تأسست عليها اللعبة ذاتها.
لقد تأسست كرة القدم العالمية على مبدأ أن الملعب يجمع من فرقتهم السياسة، وأن المنافسة الرياضية توفر مساحة مشتركة تتجاوز الحدود والهويات والانقسامات. أما عندما يصبح الطريق إلى الملعب نفسه محاطًا بالحواجز السياسية والإجرائية، فإننا لا نكون أمام مشكلة تخص حكمًا صوماليًا أو وفدًا أفريقيًا فقط، بل أمام أزمة تمس مصداقية المنظومة الرياضية العالمية بأكملها.
فإذا كانت الرياضة عاجزة عن حماية حيادها حتى قبل انطلاق المباريات، فما الذي يبقى من رسالتها الأصلية؟ وإذا كانت السياسة قادرة على الوصول إلى غرفة الحكام قبل صافرة البداية، فإن السؤال لم يعد لماذا حدث ما حدث، بل إلى أي مدى يمكن للرياضة أن تدّعي الاستقلال بينما تتعرض مبادئها الأساسية للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.