مقالات

اُسْتُعِينَ بسارق الطحين ليبحث عن سارق الطحين؟ – احمد

كان والدي – رحمة الله عليه ورضوانه – يبلغنا نصائحه بسردها كرواية، حيث تَغْرُسُ الرواية في ذاكرتنا أكثر مما تَغْرُسُه النصائح التي نسمعها من الآخرين، ومن نصائحه:
“سُرق من إحدى العوائل مخزونها من الطحين. وفي اليوم التالي، قام رب الأسرة التي سُرِق طحينها (غذاؤهم) بمعية شخص شقي من القرية بالبحث عن الطحين والسارق. وعندما التقيا بأحد وجهاء القرية، سأله الوجيه: “عمَّاذا تبحثان؟”
فأجاب المسروق (الضحية): “نبحث عن طحين سُرق منا الليلة الماضية”. فقال الوجيه: “وما شأن هذا الشقي معك؟” فأجاب المسروق: “إنه يعاونني في العثور على الطحين والسارق”. فرد عليه الوجيه: “إن آثار الطحين على كتف صاحبك، فكيف سيجد لك طحينك؟””

الرابط الموضوع بهذه المقالة: أن حملة مكافحة الفساد في العراق التي تُنفَّذ بواسطة الحرامية هي حملة عقيمة، فكيف يدل السارق على سرقته؟
• فكيف يمكن تفسيرُ أنَّ معظمَ الذين تبوَّؤوا السلطةَ وشاركوا في الحُكم منذ عام 2003 كانوا مُعدَمين، وكان كثيرٌ منهم لاجئين في دول الجوار؟ ثم أصبحوا من أصحاب الملايين والمليارات، وهم لا يتمتعون بنبوغ علمي مثل المهاجر إلى أمريكا النابغة إيلون ماسك، أو أمثال مطوري البرامج الكومبيوترية والوسائل التواصل الاجتماعي ومبتكري العملة المشفرة الذين حطموا الأرقام القياسية في تطوير أعمالهم التجارية الناتجة عن ابتكاراتهم في فترة قياسية مقارنة مع الاستثمار في المشاريع التقليدية؟
• وكيف نفسر معاناة الشعب العراقي وتزايد أعداد العاطلين عن العمل من خريجي الجامعات، بينما الأميون يصبحون وزراء ومديرين عامين ونوابًا في المجلس التشريعي العراقي عن طريق شراء أصوات الفقراء والمعدمين؟
• كيف نفسر راتب ومخصصات النائب في مجلس النواب العراقي، بالإضافة إلى رواتب حماياته، والتي تصل إلى 30 مليون دينار شهريا، ونصفهم لا يحضرون إلى المجلس النواب إلا للتصويت بطريقة تقديرية حسب قناعة رئيس المجلس، دون استخدام التصويت الإلكتروني كما هو معمول به في مجالس النواب والمجالس التشريعية في الدول الديمقراطية؟ وراتب المعلم المتقاعد 800 ألف دينار عراقي (533 دولار) الذي قضى 30 سنة في تعليم أبناء العراق في القرى والأرياف، ودون مخصصات للسكن والنقل، ونقابة المعلمين تتمتع بالمزايا والوجاهة المصطنعة، ولكنها لا تدافع عن حقوق المعلمين اللذين تمثلهم؟
المنصب : الراتب الشهري التقريبي
o معلم جديد: 700 ألف – 900 ألف دينار عراقي
o معلم بخدمة 25–30 سنة : 1,8 – 1,2 مليون دينار عراقي
o مدير مدرسة: 2,5– 1,5 مليون دينار عراقي
o نائب في مجلس النواب مع المخصصات: 30 مليون دينار عراقي
• كيف نفسر صرف مليارات الدولارات على مشاريع وهمية للكهرباء، بينما العراق لا ينتج أكثر من 21 ألف ميغاواط كهرباء، في حين أن حاجة العراق تصل إلى 60 ألف ميغاواط؟
• كيف نفسر استيراد الغاز، ووزارة النفط تحرق الغاز المصاحب للنفط من الابار النفطية العراقية؟

على رئيس الوزراء علي الزيدي ان لا يعتمد على الفاسدين لكشف الفساد، بل لوضع آلية جديدة لمكافحة الفساد والكشف عن الفساد والفاسدين.
أولاً: تشكيل هيئة قضائية مستقلة لمكافحة الفساد:
• تُنشأ هيئة قضائية مستقلة، قضاةً مُشهودًا لهم بالكفاءات ونقاء السيرة الذاتية، وتتمتع بالاستقلال المالي والإداري الكامل، ولا تخضع للسلطة التنفيذية، ولا لأية جهة قضائية او سياسية.
• تُمنح الهيئة صلاحيات التحقيق والتحري والإحالة إلى المحاكم المختصة والقيام بدور المدعي العام في المرافعات ضد الفاسدين، وتمتد صلاحياتها لتشمل جميع المقيمين في إقليم كردستان.
• منع المتهمين بقضايا الفساد من مغادرة البلاد لحين حسم الدعاوى المقامة ضدهم.
• تتعاقد الهيئة مع شركات تدقيق ومراجعة دولية معتمدة، مثل PwC وDeloitte وKPMG وEY، لتدقيق العقود الحكومية الكبرى ومراجعة الحسابات العامة بعقد “No Cure No Pay” أي: “العمل وفق مبدأ: لا أتعاب إلا عند النجاح”، وبمعنى آخر: “العمل وفق مبدأ: لا أتعاب إلا عند النجاح.”
ثانياً: تفعيل مبدأ: من أين لك هذا؟
• إلزام جميع موظفي الدولة، ولا سيما الرئاسات الثلاث والوزراء والنواب والمحافظين والمديرين العامين وكبار المسؤولين، بتقديم إقرار سنوي مفصل بالذمة المالية لهم ولأزواجهم وأبنائهم القاصرين.
• مطابقة هذه الإقرارات مع السجلات المصرفية والعقارية والتجارية داخل العراق وخارجه.
• إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة لتتبع الأصول والثروات والتحويلات المالية المشبوهة.
• اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المالية والكشف المبكر عن حالات الإثراء غير المشروع.
ثالثاً: إصدار قانون استرداد الأموال والأصول غير المشروعة:
• يُعدّ أي تضخم في الثروة أو زيادة في الممتلكات لا يستطيع صاحبها إثبات مصدرها المشروع خلال مدة قانونية محددة كسباً غير مشروع.
• تُصادر الأموال المنقولة وغير المنقولة والأصول الناتجة عن الفساد بحكم قضائي، وتُعاد إلى الخزينة العامة.
• إنشاء صندوق وطني لتعويض المتضررين من جرائم الفساد وتمويل المشاريع الخدمية والتنموية من الأموال المستردة.
• إلغاء العقود والاتفاقيات والصفقات التي ثبت حصولها نتيجة الرشوة أو المحاباة أو استغلال النفوذ.
رابعاً: حماية المبلغين والشهود والخبراء:
• توفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ عن جرائم الفساد.
• ضمان الحماية القانونية والأمنية للمبلغين والشهود وأفراد أسرهم.
• منح مكافآت مالية للمبلغين في القضايا الكبرى تُحدد بنسبة من الأموال المستردة وفقاً للقانون.
• تجريم أي أعمال انتقامية أو ضغوط تُمارس ضد المبلغين أو الشهود.
خامساً: تعزيز الشفافية والرقابة المجتمعية:
• نشر تقارير دورية تتضمن نتائج التحقيقات والإجراءات المتخذة والأموال المستردة.
• إخضاع جميع العقود الحكومية والمناقصات والمشاريع العامة للنشر الإلكتروني المفتوح.
• تمكين منظمات المجتمع المدني والجامعات ووسائل الإعلام والصحافة الاستقصائية من ممارسة دورها الرقابي ضمن إطار القانون.
• نشر الذمم المالية لكبار المسؤولين وإتاحتها للرأي العام بما لا يتعارض مع مقتضيات الأمن الوطني والخصوصية المشروعة.
• منع المتهمين بقضايا الفساد الكبرى من مغادرة البلاد لحين حسم الدعاوى المقامة ضدهم.
سادساً: منع تضارب المصالح:
• حظر الجمع بين المنصب العام والمصالح التجارية الخاصة.
• إلزام المسؤولين بالكشف عن جميع الشركات والأسهم والحصص التجارية التي يمتلكونها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
• تجريم استغلال المنصب لتحقيق منافع شخصية أو عائلية أو حزبية.
سابعا: إلغاء الحصانة في جرائم الفساد المالي والإداري بحيث لا تمنع الحصانة البرلمانية أو الوظيفية التحقيق أو المحاكمة في قضايا الرشوة والاختلاس وغسل الأموال والإثراء غير المشروع، مع ضمان كامل حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، هذا البند يُعد من أكثر أدوات مكافحة الفساد فعالية في التجارب الدولية.
ثامنا: التعاون الدولي: ضرورة توقيع مذكرات تفاهم مع دول مثل سويسرا ولوكسمبورغ والاتحاد الأوربي وبريطانيا وتركيا وإيران ولبنان وسلطنة عُمان والأردن وإمارة دبي لاسترداد الأموال المهربة.

كلمة أخيرة:
• إن تطبيق هذه الإجراءات بصورة متكاملة ستؤدي إلى:
o جذب الاستثمارات الخارجية تلقائيًا، إذ إن العراق يمتلك من الفرص الاستثمارية الواعدة ما يكفي لاستقطاب رؤوس الأموال لعشرين عامًا قادمة، متى ما توفرت بيئة آمنة وشفافة وسيادة حقيقية للقانون.
o تشجيع عودة الكفاءات العراقية المهاجرة لخدمة الوطن، فالعراق بلد الحضارات والتنوع القومي والديني والثقافي، ويزخر أبناؤه في الخارج بكفاءات علمية ومهنية رفيعة المستوى قادرة على الإسهام في إعادة بناء الدولة، وتعزيز التنمية، ونقل الخبرات العالمية إلى الداخل.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى