السودان والولايات المتحدة: بداية صفحة جديدة من الحوار
تلقّيت من أحد الأصدقاء الإعلاميين نسخة من البيان الصادر عن مكتب سفير السودان بواشنطن بشأن نظر لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي في مشروع قانون حقوق الإنسان لعام 1939م، المعروف باسم «قانون المشاركة الأمريكية في السلام السوداني»، وقد جاء البيان في أعقاب الإجراء الذي إتخذته اللجنة يوم التاسع من يونيو 2026م بالإبلاغ الإيجابي عن المشروع، مؤكدًا أن حكومة السودان تشاطر الكونغرس والشعب الأمريكي إلتزامًا صادقًا بإنهاء معاناة السودانيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع مستحقيها دون عوائق، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين، والعمل من أجل تحقيق سلام عادل ودائم؛ كما رحّب البيان باهتمام المؤسسات الأمريكية المتواصل بالأزمة السودانية، التي تُعد من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، معبرًا عن تقدير الخرطوم للدور الذي إضطلع به عدد من أعضاء اللجنة في الإستماع إلى وجهة النظر السودانية والتفاعل معها بصورة إيجابية تعكس حرصًا على بناء تفاهمات أكثر واقعية وتوازنًا تجاه القضايا المرتبطة بالسودان.
من أبرز ما إستوقفني في البيان إشادته بجهود رئيس اللجنة براين ماست والعضو البارز فيها غريغوري ميكس في إزالة النص المتعلق باتخاذ خطوات داخل الأمم المتحدة لنزع الشرعية عن التمثيل السوداني في المؤسسات الدولية؛ فقد إعتبر البيان أن هذا القرار يعكس فهمًا متقدمًا لأهمية إحترام سيادة الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية ومراعاة حقوق شعبها، وأن الحفاظ على هذه الشرعية حق لا يتعارض مع مساعي تحقيق السلام، بل يشكل أحد مرتكزاتها الأساسية؛ كما أشار إلى أن هذا الموقف يسهم في تعزيز فرص إستمرار الشراكة الإستراتيجية بين الخرطوم وواشنطن على أسس واضحة وأكثر رسوخًا وإستقرارًا، وفي الوقت نفسه، عبّر البيان عن تحفظه الواضح تجاه أي مقاربة تساوي بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع التي إرتكبت جرائم جسيمة بحق السودانيين، وإضافة إلي سجلات فظائعها نشير إلى مجزرة الأبيض التي نُفذت يومي 10 و11 يونيو الجاري بواسطة طائرات مسيّرة مستجلبة من خارج السودان، وقد أكد البيان بوضوح أن المؤسسة العسكرية هي الجهة الدستورية المناط بها الدفاع عن سيادة الدولة ووحدة أراضيها، وأن تقييم أطراف الصراع ينبغي أن يستند إلى الوقائع والقرارات الصادرة عن الجهات الدولية المختصة.
لقد أعاد البيان التأكيد بحزم على إلتزام الحكومة السودانية بجملة من المبادئ التي تمثل ركائز أي عملية سياسية مستقبلية يمكن أن تقود إلى سودان جديد قائم على مفاهيم الحرية والسلام والعدالة الإجتماعية والوحدة على أساس التنوع، وفي مقدمة هذه المبادئ الإنتقال الذي يقوده السودانيون نحو الحكم المدني الديمقراطي، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المناطق المتضررة دون أي تمييز أو عوائق، وتحقيق المساءلة عن إنتهاكات القانون الإنساني الدولي، إلى جانب تعزيز مشاركة النساء والشباب في رسم مستقبل البلاد، وهذه الرسائل لا تحمل فقط مضامين سياسية ودبلوماسية، بل تعكس أيضًا سعيًا سودانيًا واضحًا لإعادة التموضع على خارطة العالم وتقديم موقف الدولة أمام دوائر صنع القرار الأمريكية بصورة أكثر إنفتاحًا وتعاونًا وفق معايير موضوعية؛ كما تؤكد رغبة الخرطوم في بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والإحترام المتبادل والتعاون الوثيق من أجل صناعة المستقبل، بعيدًا عن الصور النمطية التي ظلت تهيمن بشكل كثيف على كثير من النقاشات المتعلقة بالسودان خلال السنوات الماضية.
أعتقد أن هذا البيان، الذي كُتب بلغة دبلوماسية رفيعة وهادئة ومتزنة، كشف عن ملامح خطاب جديد بدأت تتبناه الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من القوى الدولية الكبرى تجاه السودان؛ فالمؤشرات الواردة فيه توحي بوجود تحول تدريجي في النظرة إلى الأزمة السودانية، يقوم على مبادئ الحوار والتفاعل الإيجابي مع مؤسسات الدولة بدلاً من سياسة الإنكفاء والجمود أو الإكتفاء بالمقاربات العقابية التي تُستخدم لممارسة الضغوط السياسية، لكنها لم تنجح في تحقيق أهداف جميع الأطراف، وإذا ما إستمر هذا المسار بالوتيرة الإيجابية نفسها، فإنه قد يفتح صفحات جديدة من التعاون المثمر بين الخرطوم وواشنطن في مجالات الأمن الإقليمي ومكافحة الار*ها*ب والجرائم العابرة للحدود، ويكتسب السودان أهمية خاصة في هذا السياق بحكم موقعه الجغرافي الإستراتيجي المطل على البحر الأحمر والمرتبط بمعادلات التنافس الإقليمي والدولي في المنطقة، فضلاً عن كونه يمثل حلقة وصل مهمة بين القرن الإفريقي ومنطقة الساحل والصحراء، وهما منطقتان تواجهان تحديات سياسية وإقتصادية وأمنية معقدة جدًا تتطلب تنسيقًا إقليميًا ودوليًا واسعًا؛ فمن شأن تعزيز الأمن والإستقرار في السودان أن ينعكس إيجابًا على جهود السلام والتنمية، وأن يفتح آفاقًا أوسع للإستثمار والتعاون بما يخدم مصالح شعوب المنطقة بأسرها.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.