مقالات سياسية
مذكرة إسلام آباد 2026 وهندسة الهدنة بين طهران وواشنطن
مهند ال كزار
شهدت الدبلوماسية الدولية في الثامن عشر من حزيران/ يونيو 2026 انعطافة حاسمة قد تعيد رسم الخرائط الجيوسياسية في الشرق الأوسط، فقد خرجت إلى العلن مذكرة تفاهم إسلام آباد المكونة من 14 بنداً بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تكن مجرد وثيقة لوقف إطلاق النار بل مثلت خطوة استباقية لإطفاء حريق إقليمي شامل قد يلتهم خطوط الملاحة الدولية ومصادر الطاقة العالمية.
معركة البروتوكول في اللحظات الأخيرة
لم تخل اللحظات الأخيرة لإبرام الاتفاق من رسائل سياسية مشفرة عكست نداً ومواجهة حتى في الشكليات، فبينما كانت العاصمة الأمريكية واشنطن تحشد جهودها الدبلوماسية واللوجستية منذ أيام لتنظيم مراسم توقيع بروتوكولية رفيعة المستوى تمنح الحدث طابعاً احتفالياً، فاجأت طهران الجميع بفرض إرادتها الاستراتيجية حتى الدقيقة الأخيرة، فقد رفضت الإدارة الإيرانية الانخراط في مسرحية بروتوكولية قد تسوق كصورة إذعان، واشترطت توقيع المذكرة إلكترونياً عن بعد لتقطع الطريق على السيناريو الذي أعدته واشنطن، وتبث رسالة مفادها أن التفاهم فرضته توازنات القوة الميدانية لا الإملاءات السياسية.
رضوخ ترامب وخسارة اللوبي
فور تسريب فحوى المسودة ضربت واشنطن موجة عارمة من الغضب السياسي، تمثلت في معارضة نيابية وتشريعية واسعة وعابرة للأحزاب من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء ضد الرئيس دونالد ترامب، واعتبر صقور الكونغرس أن نص المذكرة يمثل رضوخاً كاملاً للمطالب الإيرانية واستسلاماً غير مبرر لشروط طهران الاقتصادية.
يقرأ هذا التفاهم داخل أروقة القرار الأمريكي بوصفه انكساراً حاداً ونكسة تاريخية لنفوذ اللوبي الصهيوني وحلفائه في واشنطن، فالولايات المتحدة لم تكتف بالتراجع عن سياسة الضغط الأقصى بل وافقت على بند صندوق إعمار وتنمية إيران بمبلغ فلكي لا يقل عن 300 مليار دولار، والأكثر من ذلك منح طهران رفعاً شاملاً وكاملاً للعقوبات المفروضة على تصدير النفط والغاز مع فتح الأبواب والضوء الأخضر القانوني أمام الشركات الاستثمارية العالمية للعودة إلى الأسواق الإيرانية دون قيد أو شرط، وهو ما يمنح طهران شرعية اقتصادية دولية غير مسبوقة.
ماذا حصدت واشنطن تكتيكياً من هذا الإتفاق ؟
رغم العاصفة السياسية في واشنطن يرى المدافعون عن مقاربة ترامب أن الإدارة الأمريكية حققت حداً أدنى من الردع الذكي، فقد انتزعت تعهداً صريحاً ومراقباً من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتخفيف نسب تخصيب اليورانيوم للمواد المخزنة داخل إيران، وهو إنجاز يهدئ مؤقتاً المخاوف من العتبة النووية الإيرانية، علاوة على ذلك فإن تأمين الملاحة البحرية الفوري في مضيق هرمز وبحر عمان يضمن هبوط أسعار النفط العالمية، وهو ما تحتاجه الإدارة الأمريكية بشدة لتسكين الأسواق الداخلية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
العقدة الإقليمية: الجوار العربي وأزمة الملفات الغائبة
إن السؤال الجوهري والأكثر إلحاحاً يتردد في العواصم العربية التي عاشت لسنوات تحت وطأة الضغوط السياسية والأمنية والضربات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، أين موقع الأمن القومي العربي في هذه الصفقة الكبرى؟
تاريخياً يعيد هذا الاتفاق إلى الأذهان هواجس اتفاق عام 2015 حيث ركز المهندسون الدوليون على الملف النووي وحرية التجارة العالمية وغضوا النظر عن دور طهران الإقليمي وصواريخها الباليستية ومسيراتها العابرة للحدود، ورغم أن البند الثاني نص فضفاضاً على الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية إلا أن غياب آليات المحاسبة والضمانات المكتوبة يثير توجساً استراتيجياً عميقاً لدى الجوار العربي، خصوصاً وأن إيران تدخل هذه الهدنة وهي في موقف اقتصادي وتفاوضي أقوى بكثير مما كانت عليه في السابق بفضل التنازلات الأمريكية الممنوحة في الصادرات والاستثمارات.
خاتمة وتقييم استراتيجي
في المحصلة يمكن القول إن مذكرة تفاهم إسلام آباد هي تأطير مرحلي للصراع فرضته حاجة القوى الكبرى لتخفيف التصعيد العسكري، لكنه صب بوضوح في مصلحة الشروط الإيرانية التكتيكية، بالنسبة للدول العربية يمثل الاتفاق مسكناً ضرورياً لحماية أجوائها ومشاريعها التنموية من مواجهة شاملة مدمرة، لكن العبرة تظل في الخواتيم، فإما أن تتحول مهلة الستين يوماً التفاوضية القادمة إلى منصة لفرض توازن حقيقي يشرك العرب كأطراف أصيلة ويضمن استقرار العواصم العربية وسيادتها، وإما أن نكون أمام استراحة محارب نجحت فيها طهران في التقاط أنفاسها الاقتصادية وتثبيت شروطها بانتظار جولة تصعيد قادمة ستكون بلا شك أكثر ضراوة.
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية
٢٠٢٦/٦/٢١