من الجيوسياسة إلى الجيواستراتيجية: إعادة تقسيم النفوذ وولادة
من الجيوسياسة إلى الجيواستراتيجية: إعادة تقسيم النفوذ وولادة شرق أوسط بثوب جديد…
من يراقب ما جرى خلال الأشهر الأخيرة بعين تتجاوز التصريحات اليومية والضجيج الإعلامي، يخرج بانطباع مختلف تمامًا عن الرواية المتداولة. فالقصة لم تعد تبدو مجرد مواجهة حول تخصيب اليورانيوم أو سباق نحو اتفاق نووي، بل أقرب إلى عملية أوسع وأعمق لإعادة هندسة الإقليم وإعادة توزيع النفوذ بين القوى الفاعلة دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل.
الخطأ الذي يقع فيه كثيرون أنهم ما زالوا يقرؤون المنطقة بأدوات قديمة؛ حروب مباشرة، محاور معلنة، أصدقاء وأعداء. بينما ما يحدث اليوم أكثر تعقيدًا بكثير. فالسياسة الدولية لا تعمل بمنطق الصداقة والعداء، بل بمنطق تقاطع المصالح وحدود الكلفة.
منذ غزو العراق دخلت المنطقة مرحلة إعادة تشكيل طويلة. تمدد النفوذ الإيراني في عدة ساحات، وتغيرت الخرائط التقليدية للقوة، وتحولت بعض الدول من مراكز قرار إلى ساحات تنافس. طوال تلك السنوات بدا أن الجميع يتحدث عن المواجهة بينما الواقع ينتج توازنات جديدة على الأرض.
لكن المرحلة الحالية تبدو مختلفة.
ما نشهده ليس صراعًا جيوسياسيًا بالمعنى التقليدي فقط، بل انتقالًا إلى مستوى استراتيجي وجيواستراتيجي أكثر عمقًا. هنا لم يعد السؤال: من يسيطر على عاصمة؟ بل: من يتحكم في الممرات؟ من يملك حق التعطيل؟ من يفرض حضوره في خرائط الطاقة والتجارة والردع لعقود قادمة؟
ومن هذا المنظور يمكن قراءة ما حدث على أنه إعادة توزيع للأدوار لا إلغاؤها.
وفق هذا التصور، لم يعد الهدف الإيراني الحفاظ على أعلى درجات الوجود المباشر في كل الساحات، بل الحفاظ على ما تعتبره عناصر القوة الجوهرية: البقاء لاعبًا لا يمكن تجاوزه، الاحتفاظ بأوراق الردع، الحفاظ على موقعها في المعادلة الإقليمية، وعدم التفريط في وزنها الجيواستراتيجي وخاصة في المساحات التي تمثل قيمة تفاوضية مستمرة.
أما الولايات المتحدة، فمن غير الضروري أن يكون هدفها القضاء الكامل على إيران حتى تكون منتصرة. القوى الكبرى نادرًا ما تبحث عن الإزالة الكاملة للخصوم إذا كانت كلفة ذلك أعلى من كلفة احتوائهم. أحيانًا يكون الخصم المحكوم ضمن إطار معين أكثر فائدة من فراغ مفتوح أو فوضى غير قابلة للإدارة.
هنا يظهر التناقض الأساسي: ليس بين أمريكا وإيران فقط، بل بين مفهومين لإدارة المنطقة؛ مفهوم يقبل بإبقاء نفوذ محدود وقابل للضبط، ومفهوم يريد تقليص أي قدرة استراتيجية منافسة إلى أدنى مستوى ممكن.
وسط هذه العملية تظهر المعضلة الخليجية.
فإذا كانت إعادة ترتيب النفوذ تجري فعلًا دون انفجار شامل، فإن السؤال يصبح: أين موقع الخليج داخل هذا النظام الجديد؟
المشكلة ليست في أن دول الخليج لا تملك الموارد أو الأدوات، بل في احتمال أن تكون عملية إعادة الترتيب جارية بينما تُدار أولوياتها داخل إطار وضعه آخرون. عندها تتحول من طرف يصوغ التوازن إلى طرف يحاول تحسين شروط التكيف معه.
وهنا تظهر المفارقة القاسية: الدول التي اعتقدت أن الاستقرار يأتي من التحالفات فقط تكتشف أن التحالفات تتغير، والدول التي اعتقدت أن الجغرافيا وحدها تكفي تكتشف أن النفوذ يُعاد تعريفه باستمرار.
الخلاصة ،أن ما يجري لا يبدو نهاية صراع، ولا انتصار محور على آخر، بل إعادة تقسيم للنفوذ بثوب جديد؛ أقل صخبًا، أكثر براغماتية، وأكثر اعتمادًا على الردع والممرات والاقتصاد بدل الخرائط العسكرية التقليدية. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال من ربح الجولة، بل من نجح في أن يبقى جالسًا على الطاولة عندما تُكتب قواعد المرحلة التالية.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.