اللغة القانونية بين الوضوح والتعقيد – زيد نائل العدوان
تُعد اللغة الأداة الأساسية التي يعتمد عليها القانونيون في أداء أعمالهم اليومية، سواء في إعداد العقود والمذكرات القانونية، أو في التواصل مع العملاء والمحاكم والمؤسسات المختلفة؛ غير أن اللغة القانونية كثيرًا ما ارتبطت بالتعقيد والغموض نتيجة انتشار المصطلحات الفنية المتخصصة والعبارات التقليدية الموروثة من العصور السابقة.
وقد أدى ذلك إلى ظهور ما يُعرف بـ “اللغة المهنية الخاصة بالمحامين”، وهي لغة قد تكون مفهومة داخل الأوساط القانونية لكنها تشكل عائقًا أمام غير المتخصصين، ويثير هذا الواقع تساؤلات مهمة حول مدى ضرورة استخدام هذه اللغة المعقدة، ومدى تأثيرها على التواصل الفعال بين المحامي وموكله، كما يسلط الضوء على أهمية الوضوح والدقة في الكتابة القانونية الحديثة باعتبارهما عنصرين أساسيين لتحقيق العدالة وتعزيز الثقة بين القانونيين والجمهور.
تُعرف هذه المصطلحات بأنها مجموعة المصطلحات الخاصة بمهنة أو فئة اجتماعية معينة، والتي يصعب على غير المنتمين إليها فهمها، وتوجد هذه الظاهرة في معظم المهن والتخصصات، حيث يطوّر أفراد كل مهنة لغة خاصة تساعدهم على التواصل السريع والدقيق فيما بينهم، إلا أن المشكلة تظهر عندما تنتقل هذه اللغة المتخصصة إلى الجمهور العام أو العملاء الذين لا يمتلكون الخلفية اللازمة لفهمها.
ويُعد المجال القانوني من أكثر المجالات التي ارتبطت باستخدام المصطلحات المعقدة والتعابير الفنية، فكثيرًا ما يستخدم المحامون والقضاة عبارات قانونية يصعب على العملاء استيعاب معناها، مثل مصطلحات التسوية النهائية والاختصاص النوعي والتنفيذ القضائي… وغيرها من التعبيرات التي تحمل معاني دقيقة في الوسط القانوني لكنها تبدو غامضة للمتلقي العادي، وفي كثير من الأحيان قد يؤدي هذا الاستخدام المفرط للمصطلحات إلى خلق فجوة معرفية بين المحامي وموكله، بحيث يشعر العميل بأنه عاجز عن فهم الإجراءات التي تتعلق بقضيته.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها قد تتحول إلى وسيلة غير مباشرة للتأثير على العميل أو دفعه إلى اتخاذ قرارات لا يفهم أبعادها كاملة، فعندما يغرق المحامي حديثه أو كتاباته بمصطلحات قانونية معقدة دون شرح كافٍ، قد يقتنع العميل بأنه غير قادر على فهم القضية بنفسه، فيترك جميع القرارات للمحامي.
ومن الأمثلة على ذلك، أنه يوجد الفرق بين الرسائل القانونية التقليدية والرسائل المكتوبة بلغة واضحة ومباشرة، فالرسالة القانونية المليئة بالمصطلحات المعقدة قد تؤدي الغرض القانوني من الناحية الشكلية، لكنها تفشل في إيصال المعنى الحقيقي للعميل، أما الرسالة التي تستخدم لغة بسيطة فتجعل القارئ يفهم الوقائع والمشكلات القانونية والإجراءات المطلوبة دون الحاجة إلى تفسير إضافي، ولذلك أصبحت الكتابة القانونية الحديثة تميل إلى تبسيط اللغة والتخلص من التعابير القديمة التي لا تضيف معنى حقيقيًا.
كما أنه عادةً ما يتم انتقاد ظاهرة استخدام الأزواج اللفظية التقليدية التي اشتهرت في اللغة القانونية، مثل استخدام كلمتين متقاربتين في المعنى بدلًا من كلمة واحدة واضحة، ويرى أن الأصل هو استخدام أقل عدد ممكن من الكلمات لتحقيق المعنى المطلوب، لأن الإيجاز يسهم في تحسين الفهم ويقلل من احتمالات سوء التفسير، ومن هنا برزت قاعدة مهمة في الكتابة القانونية الحديثة مفادها أن الكلمة الواحدة الواضحة أفضل من عبارتين أو أكثر تحملان المعنى نفسه.
وعادةً أيضًا ما يتم تناول مشكلة استخدام الكلمات القديمة والمركبة التي ورثتها اللغة القانونية من القرون السابقة، مثل بعض الألفاظ التي تبدأ بمقاطع تدل على المكان أو الإشارة، والتي أصبحت نادرة الاستعمال في اللغة المعاصرة، ويرى المؤلف أن هذه الكلمات لا تؤدي وظيفة حقيقية في الكتابة القانونية الحديثة، وأن الإصرار على استخدامها يضيف غموضًا لا مبرر له.
ولا تقتصر أهمية الكتابة القانونية على اختيار الكلمات المناسبة فحسب، بل تشمل أيضًا سلامة الإملاء والنحو، فالأخطاء اللغوية لا تؤثر فقط في وضوح النص، بل تترك انطباعًا سلبيًا عن كفاءة الكاتب ومهنيته، لذلك يتم التأكيد دومًا على ضرورة مراجعة المستندات القانونية بعناية والتأكد من خلوها من الأخطاء اللغوية التي قد تضعف من قيمتها أو تؤثر في مصداقية كاتبها.
وكذلك، يُشار إلى أهمية مراعاة التطورات الاجتماعية في استخدام اللغة، ومن ذلك تجنب الألفاظ التي قد توحي بالتمييز بين الجنسين، فالكتابة القانونية الحديثة تسعى إلى اعتماد لغة شاملة ومحايدة قدر الإمكان، بما يعكس مبدأ المساواة ويجنب خلق انطباعات أو توقعات غير مقصودة.
يتضح أن الهدف الأساسي من الكتابة القانونية ليس إظهار المعرفة القانونية أو استخدام أكبر قدر من المصطلحات المتخصصة، بل تحقيق التواصل الفعال ونقل المعلومات القانونية بدقة ووضوح، فاللغة القانونية الناجحة هي التي توازن بين الدقة الفنية وسهولة الفهم؛ بحيث يتمكن القارئ، سواء كان متخصصًا أو غير متخصص من استيعاب المقصود دون عناء،.
ومن هنا فإن الابتعاد عن المصطلحات المعقدة بشكل مفرط، وتقليل استخدام المصطلحات والعبارات التقليدية المعقدة، والاهتمام بسلامة اللغة ووضوحها، كلها عوامل تسهم في تطوير الممارسة القانونية وتعزيز الثقة بين المحامين وعملائهم؛ فالقانون في جوهره وسيلة لتحقيق العدالة، ولا يمكن أن يؤدي هذا الدور على أكمل وجه إذا كانت لغته تشكل حاجزًا أمام فهم الناس لحقوقهم وواجباتهم.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.