مقالات

عُدْتُ وشيئاً ما في وطني* – ليلى أحمد الهوني

بقلم ليلى أحمد الهوني

عدتُ إلى وطني بعد غيابٍ متواصل، غياب امتد قرابة عشرين عامًا.

عشرون عامًا بالنسبة لي ليس مجرد “رقمٍ” يُقال أو يكتب في عجالة، بل هو عمرٌ كامل من التجارب والتحولات والأسئلة المؤجلة.

عشرون عامًا من الحنين الذي كان يكبر في أحشاء قلبي كلما ابتعدت بنا المسافات واشتدت في ذلك الوطن المظالم والأزمات، وأعمق من كل الصور التي كانت تحملها ذاكرتي لأجلهِ وتعيد تلوينها لي كلما اشتد شوقي واشتياقي إليه.

وحين جاءت لحظة العودة، بدت لي وكأنها تلك المكافأة المتأخرة من الزمن وذلك “الأوسكار” الذي منحتني إياه الحياة.

استقبلني أهلي بالأفراح والذبائح والعزائم والزغاريد والرقص أيضاً فرحة عارمة لا يمكن وصفها في احرف وأسطر. كانت وجوه اخواتي وأخوتي مألوفة رغم كل ما رسمته تلك السنوات عليها من خطوط كما رسمته عليّ، وكانت الأيدي تمتد بالعناق وكأنها تريد أن تختصر غياب عقدين كاملين في لحظة واحدة.

رأيت من كانوا بالأمس قد تركتهم أطفالاً بان هؤلاء الأطفال قد اصبح لديهم “أطفالاً” في نسخة ثانية منهم.

سأتوقف قليلا واستجمع ماذا حدث معي في ذلك الوقت بل في كل تلك الأيام الأولى عند عودتي:
شعرت بشيء ما يشبه الطمأنينة الأصيلة “الأثرية” القديمة في داخلي.

شعرت بأن العصفور الذي أرهقته المنافي قد وجد أخيرًا طريقه إلى وكره الذي هجره.

شعرت أن كل ما فرّقته السنوات قد جمعته لي العودة حتى وان كانت في ظل فقداني لوالديّ.

شعرت اني مازلت ضمن أهل (أخوات وإخوة) قد يعوضوني عن ما فقدتهم في فترة اغترابي، يعوضوني عن ذلك الوطن الذي قاربت عن اضاعته مني، وعن ما اقهره في نفسي ذلك المنفى الذي لتوي قد اتيت فارة إليهم منه.

ولم تكن كل تلك المشاعر التي مررت بها غريبة في حالتي.

فالإنسان، حين يطول به الفراق والبعد عن وطنه، لا يحنّ إلى الطرقات ولا إلى الجدران ولا إلى الأماكن وحدها، بل يحنّ بصدق إلى ذلك الوطن الذي شيّده في أعماق قلبه؛ إلى صورته “الأسطورية”التي صقلتها الأيام وحفظتها الذاكرة بعنايةٍ ومحبة في داخله.

يشتاق إلى المعاني التي أضفاها عليه من روحه ولروحهِ، وإلى الذكريات التي كانت في كل يوم تكبر فكبرت في وجدانه عامًا بعد عام، حتى غدت أكثر إشراقًا من الواقع، وأكثر دفئًا من الحقيقة نفسها.

فالغربة وحدها لا يمكنها مهما فعلت بنا أن تُبعدنا عن اوطاننا فحسب، بل تجعلنا نعيش على حنينٍ دائم إلى النسخة الأصلية التي سكنتنا منها، تلك النسخة التي لا يطالها الزمن ولا تنال منها المسافات.

ولهذا السبب تحديداً ظننت، كما ظن ويظن الكثيرون غيري، أن الزمن وحده قد غيّر ويغيّر كل شيء، وبالفعل قد أفلح تماما في هذا التغيير الذي أقصده.

ظننت أن السنوات الطويلة التي مرت كانت قادرة لتذويب الكثير بل كل سوء الفهم، وأن المسافات التي صنعتها الغربة قد هُزمت أخيرًا أمام حنين الدم وصلة الرحم، وأن ما كان عالقًا في النفوس ذات يوم قد أصبح جزءًا باليا من الماضي الذي لا يعوّد المرء إليه.

لكن تلك العودة كانت تخبئ لي شيئًا آخر!.
فما إن خفتت أصوات الاحتفال، وانفضت تلك الولائم، وعاد الجميع إلى حياتهم الطبيعية اليومية، حتى بدأت أرى المشهد بصورة مختلفة. رأيت ما لم تسمح لي تلك العاطفة الجياشة في داخلي برؤيته في تلك الأيام الأولى.

اكتشفتُ أن الحفاوة ليست دائمًا مرآةً للقناعة، وأن الاشتياق إلى الغائب لا يعني بالضرورة فهمه كما هو. واكتشفتُ أيضًا أن العناق، ومظاهر الفرح، والدهشة، والسرور المفرط، وحتى الضحكات التي تعلو حتى تكاد تبلغ حدّ التهستّر، لا تملك القدرة على محو تلك الصور القديمة الراسخة في الأذهان؛ الصور التي احتفظ بها البعض لسنوات طويلة دون خجل في أنفسهم، حتى دون أن يحاولوا مراجعتها أو إعادة النظر فيها.

واكتشفت أيضًا أن بعض الناس لا يستقبلونك كما أنت، بل كما يتذكرونك، أو كما يريدون أن يرونك عليه ويتذكرونك به.

وحين يحدث كل ذلك معك، يصبح ذلك اللقاء مجرد لقاء بين شخصين أو خصمين، لا بين حاضرٍ وحاضر؛ بل بين حاضرٍ أنت قادما منه ومازلت فيه، وبين ماضٍ لم يغادرك، والأسوأ أنه لم يغادرهم أيضا بعد.

ولعل أكثر ما آلمني حينها أنني لم أشعر بالمفاجأة، ولم أغضب، ولم أَثُر، ولم أُصدم كما توقعت. بل وجدت نفسي أراقب كل شيء عن كتب وبهدوءٍ غريب غير مسبوق مني، كأنني كنت أعرف ما سيحدث قبل أن يحدث، وكأنني كنت أدرك هذه الحقيقة لا في تلك اللحظات تحديدًا، بل منذ زمنٍ بعيد؛ لكنني كنت أؤجل النظر فيها وإليها، لا لأجلهم، بل لأجلي.

فالإنسان ليس بمقدوره أن يخدع نفسه دائمًا دون توقف، لكنه أحيانًا يمنح هذه النفس التي يملكها بصيصًا من الأمل، أو تلك الفرصة الأخرى والأخيرة المتأخرة.

ولعل خيبتي الحقيقية التي أشير إليها ليست فيما وجدته وصدمني، لا والله، إطلاقًا لم يكن الأمر كذلك، بل كانت صدمتي وخيبتي الأساسية في تلك “اللحظات القصيرة” التي صدّقتُ فيها أن ما كنت أعرفه وأتوقعه قد تغيّر فعلًا نحو الأفضل.

عندها فقط تناسيت كل شيء؛ وأنستُ نفسي وصبرتُها مكرهة على كل ما فكرت فيه قبل عودتي، لا لأجل خاطر أحد سواي، بل لإرضاء نفسي من الداخل، لذاتي ومن ذاتي.

لأنني عشتُ ما يكفي من الحياة لأفهم أن الزمن لا يغيّر الجميع بالقدر الذي ظننته وتوقعته وربما اكثر من ذلك.

هناك من يتعلم ويتسع قلبه ورؤيته مع الأيام، وهناك من يبقى أسيرًا لصورة قديمة، أو لفكرة بالية، أو لحكمٍ أقدمَ عهدًا وأشدَّ رسوخًا، مهما مرّت عليه السنوات.

ولهذا فإن بعض العلاقات لا تهزمها المسافات، لكنها أيضًا لا تنضج ولا تتطور؛ بل تبقى عالقة ومعلّقة في النفوس التي توقفت عندها ذات يوم.

عدتُ إلى وطني، محمّلةً أعباء سنواتٍ من الحنين، حنينٍ لا يشبهه حنين، وحُبٍّ لا يشبهه عِشق، عدتُ إليه أحمل قلبًا أرهقته الأمراض والعمليات، ولكنه ظل ممتلئًا بالشوق والاشتياق، لا يحمل بين طياته مزيدًا من الألم أو دفاتر محشوة بالحسابات.

لم أذهب إلى وطني للبحث عن انتصارٍ على أحد، ولا عن اعترافٍ بالخطأ تجاهي من أحد، ولا عن مكانةٍ فوق أحد، ولا عن مكافأةٍ من أحد. كنت فقط أبحث عن شيءٍ أبسط من ذلك كله: عن ذلك الشعور بالانتماء الذي فقدته في بعدي وغربتي عن وطني الأم.

لكنني أدركت أن الانتماء الحقيقي لا يُمنح من الآخرين، بل يبدأ من مصالحة الإنسان مع نفسه، لنفسه وبنفسه.

وأدركت أن قيمة المرء لا تتحدد بمقدار القبول الذي يناله من هذا أو من ذاك، ولا بالصورة التي يحتفظ بها الناس عنه في أذهانهم.

فالنخلة لا تستمد طولها من نثر ماء العابرين بجوارها، والبحر لن يفقد عمقه لأن من غاص فيه عجز عن رؤية قاعه.

وإذا كان في هذه العودة درسٌ ثمين قد تلقيته وتعلمته، فهو أن الأوطان ليست دائمًا كما نحملها في ذاكرتنا، وأن الناس والأهل والأصدقاء والجيران والأحباب الذين كنا نعرفهم ليسوا دائمًا كما نرسمهم في مخيلتنا أثناء حنيننا وحبنا لهم؛ وأن الزمن قادر تماماً على أن يغيّرهم، حتى عن ومع أنفسهم.

إنّ أصعب ما في العودة إلى الوطن بعد غيابٍ مديد، ليس أحيانًا أن تكتشف أن الأماكن قد تغيّرت أو مُحيت من أمام أعينك، أو أنها لم تعد موجودة البتة كما كانت بين من تراهم اليوم، أو أن أولئك الذين كنت تعرفهم عن قرب ذات يوم قد تبدّلوا، وإنما أن تكتشف أنك أنت أيضًا قد تغيّرت بالنسبة لهم.

وأن “النسخة” التي غادرتهم بها يومًا لم تعد موجودة كما تركتها آخر مرة بينهم؛ وأنك أنت أيضًا، في نظرهم وبالنسبة لهم، لم تعد كما تركتهم عليه في آخر مرة رأيتهم ورأوك فيها.

وأن السنوات التي حسبت انها كانت مجرد انتظار، كانت في الحقيقة هي رحلةً طويلةً ومملة، لكنها نجحت في إعادة تشكيلنا من الداخل. ومع كل ما كتبته أعلاه، لا أرى نفسي اليوم إنسانةً خاسرة.

فكثيرٌ من “الرحلات” لا نعود منها سعداء كما نريد ونرغب، لكنها تعود بنا أكثر فهمًا لأنفسنا ولهذه الحياة. وأحيانًا يكون الوضوح هديةً أثمن بكثير من راحة الغموض وسكينته.

فالحقيقة، مهما كانت منهكة ومؤلمة، قد تكون أرحم وأحنّ علينا من سراب الوهم الذي قد يصدمنا في نهاية المطاف.

في الوقت الذي منحتني فيه الغربة الكثير من الصبر، وجدت أن العودة أيضًا قد أهدتني، بكرمٍ، مزيدًا من الحكمة.

وأعطتني السنوات ما هو أثمن من الرضا المؤقت؛ منحتني بسخاءٍ عظيم القدرة على الوقوف بثبات أمام مطبات الحياة، دون حاجة إلى التصفيق أو التصديق أو أي شكل من أشكال التبرير.

ولعل أجمل ما خرجت به من هذه “التجربة الحياتية” أنني أخيرًا توقفت عن انتظار اللحظة التي يفهمني فيها الجميع.

فالأعوام التي قضيتها بعيدةً مغتربة كانت كفيلة بأن تعرّفني بنفسي، كما كانت العودة أقدر على أن تعرّفني بالآخرين: من احبتي وصديقاتي وجاراتي، وكل من حولي من أهلي.

وبين هاتين المعرفتين أدركت أن راحة الإنسان لا تأتي من كونه مقبولًا لدى الجميع، بل من كونه صادقًا مع نفسه، ثابتًا على ما يؤمن به، ومتصالحًا مع حقيقته، بإرادته هو لا بإرادة الآخرين أو مطالبهم منه.

ولهذا أقول اليوم، وكلي هدوءٍ وثقة:
ها أنا اليوم قد عدت لوطني، وبالرغم انه قد “غصني” الآمل في شئياً ما في وطني… ولكن ستبقى العودة كما هي لأجل تلك الأم التي أراها دائماً في وطني.

لكن ما لم تقله العودة لي، كان هو الأكثر أهمية من كل ما قلته أعلاه!.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
* كان الأجدر بي ان انشر مقالتي هذه قبل مقالتي السابقة المعنونة بـ (إلى الجمهورية الإيطالية) ولكن يبقى دائما الأهم قبل المهم

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى