تداخل الأسطورة والقانون في الحضارات القديمة – زيد نائل
من قديم الزمان، وُجدَت الأسطورة في الديانات المختلفة والمتعددة بأشكال شتى، إذ من أساطير الخلق مرورًا بأساطير الإنسان وصولًا لأساطير الموت، تميز كل بلد من البلدان، وكل حضارة من الحضارات بأسطورة مختلفة عن الآخر؛ بحيث وإن اشتركت الأسطورة مع الآخر في عدة أمور، إلا أنها تختلف معها في أمور أخرى.
ومن اللافت قوله، أن الأسطورة لا تقتصر فقط على المجال الغيبي أو الماورائي، بل تتعدى ذلك لكي يصل أثرها إلى المجال القانوني؛ بحيث أن الأساطير تنشأ بطريقة معينة شريعة قانونية مختصة بها تنظم أمور أتباعها.
أي ما أقصده هو أن الأسطورة عندما تنشأ عادةً، تنشأ وحولها أتباع يؤمنون بها، هؤلاء الأتباع يؤمنون غالبًا بأن السماء والإله الرئيسي في الأسطورة يقوم بتنظيم البشر والمجتمع من كافة النواحي؛ فيقوم الأتباع بابتداع (قانون خاص)؛ بحيث يكون هذا القانون منظم للمجتمع الذي تنتشر به الأسطورة، وعادةً، ما يكون هذا القانون مستمد من الأسطورة، كما أنه يراعي الوضع المجتمعي للمجتمع الذي نشأت به الأسطورة.
ولكي أوضح كلامي، أقول أن ما سبق هو من خصائص الأسطورة، والتي يمكن شرحها وتلخيصها بالتالي:
1. هذا القانون منظم للمجتمع الذي تنتشر به الأسطورة: فمثلًا، الأساطير الرومانية نشأ أو اقترن بها القانون الروماني، وهذا القانون الروماني قام بتنظيم أحوال المجتمع الروماني من زواج وطلاق ومعاملات وبيع وشراء.
2. هذا القانون مستمد من الأسطورة: فلو كانت الأسطورة وحشية مثلًا، لرأينا أن القانون يشجع على الوحشية والق*ت*ل، ولو كانت الأسطورة تغرق في الغيبيات والماورائيات، لرأينا أن القانون المُستَمد من الأسطورة يغرق في الغموض واللاوضوح.
3. هذا القانون يراعي الوضع المجتمعي الذي نشأت به الأسطورة: فالمجتمع أيضًا يعكس على الأسطورة كما تعكس الأسطورة عليه؛ فمثلًا، المجتمع الروماني عكس وضعه على القانون الروماني فكان القانون الروماني يميز بين المواطنين والطبقات؛ ذلك أن المجتمع الروماني مجتمع طبقي في القدم بامتياز، فانعكس هذا على القانون الروماني وكذلك انعكس على الأساطير الرومانية فكانت الآلهة في روما مثلًا تتفاوت في أهميتها وتتداخل في طبقات مختلفة.
وهذا يعرج بنا على فكرة أخرى وهي أن الأسطورة تمتد لتصبح قانونًا ثابتًا؛ بل حتى تدخل نفسها في الطبقات القانونية للقانون الذي تؤثر به فيصبح من غير المسموح انتقادها ولا التعرض لها البتة، وهذا بحد ذاته يكشف لنا عن أهمية ومكانة الأسطورة بشكل عام.
ومن ثم، من الممكن أن تتمثل الأسطورة كذلك بطريق الطقوس، فالطقوس الأسطورية والدينية بشكل عام تُعتَبر “قانون” بحد ذاته لا يجوز التعرض له ولا يجوز تغييره أو تناوله بأي طريقة سلبية، لذلك، لا يتمثل القانون فقط في هيئات ومؤسسات وقوانين عملية وواقعية، بل من الممكن أن نقول أن القانون قديمًا كان عبارة عن طقوس تجرى، فهذه الطقوس تخضع لخصائص القوانين، من أنها ثابتة ولا تتغير ومن أنها موجودة بقوة وحاضرة في روح الجماعة ومن أنه من الممنوع التعرض لها، فهي بنظري تُعتَبر “قانون معنوي”؛ ينطبق على الجماعات التي كانت تعتنق الأسطورة قديمًا.
فالقانون لا يشترط فيه دومًا أن يتخذ صورة مادية؛ أي لا يُشتَرط في القانون أن يُطبَق في مؤسسات وأقضية ومحاكم وغير ذلك، بل يكفي لوجوده أن يتمثل في أمر تحتكم له الجماعة في تصوراتها حول الكون، وأن يكون هذا الأمر من الصعب المساس به، كما يكون لهذا الشيء سطوة وقوة وشوكة أدبية على روح الجماعة التي تؤمن به.
وبالتالي، يصبح الإله الرئيسي في هذه الأسطورة أو في المجتمع الذي وُضِعَ فيه الأسطورة هو المشرع الأساسي لهذا القانون، ويكتسب صفة تشريعية قانونية، ويصبح المجتمع يميل لإن يرسخ قوانينه هذه من خلال مؤسسات قانونية مادية، فيظهر القضاة وتنشأ المحاكم…الخ من المظاهر القانونية، ولا أدل على ذلك من القانون الروماني، فالقانون الروماني كان في بادىء الأمر مجموعة من الأساطير التي يؤمن الرومان أن (جوبيتر) هو من أوجدها، ثم تحولت هذه الأساطير لتشريعات تنظم حياة الرومان، ثم اتخذت هذه التشريعات أشكال مادية فأصبح هنالك قضاة رومان ومحاكم رومانية…الخ.
ويصير هذا المشرع -أي الذي يشرع القوانين- مقدس؛ بحيث يتخذ في وجدان الجماعة وفي فكرها صورة رجل حكيم لديه خبرة طويلة، وربما من المجدي أن نتحدث عن الربط بين الحكمة والتشريع، فمثلًا، في الحضارة اليونانية القديمة، كان (زيوس) كبير الآلهة معروف بالحكمة، وكان هو من يُنسَب إليه تشريع القوانين، وكذا الأمر بالنسبة لجوبيتر في روما، وكذا الأمر بالنسبة لمردوخ في بابل، ولأودين في النرويج، وهكذا، يصبح كل إله مشرع للقوانين متصف بالحكمة.
حتى العرب قديمًا، كانت تلجأ للحكماء كي يفصلوا فيما بينهم بخصوص النزاعات، فالحكمة إذًا مرتبطة بالقانون ارتباطًا وثيقًا، ولا تنفك عنه بتاتًا؛ ولذلك فإن أول رجال مشرعين وقانونيين في العالم كانوا رجال دين أو أشخاص يشتغلون بالماورائيات؛ ذلك أن المجتمعات كانت تنظر لهم بوصفهم حكماء، وكانت المجتمعات إذًا تأخذ بأقوالهم من أفواههم وتعدها ميزان توزن به الأمور المختلفة.
وكانت الشريعة الدينية تتمثل بالنص الديني المقدس لدى الأفراد، والذي لم يكونوا فقط يعتبروه نصًا عاديًا، أو محاولة لفهم قوانين الكون، بل كانوا يعتبروه فيما يتعدى ذلك؛ إذ أن النص الديني كانوا يحتكمون إليه كعرف يعيشون به حياتهم ويسقطونه على أسلوب ممارستهم للأمور، فلا يغدو النص الديني مجرد نص يُقرَأ بل يصير كذلك نصًا معاشًا.
هذا مع العلم أن بعض الحضارات والبلدان كانت لا تميل إلى الفرضية الميتافيزيقية هذه؛ أقصد فرضية وضع إله مشرع للقوانين والتشريعات المختلفة، فمثلًا، الصين كانت تعتبر الإله (مفهوم) كما في ديانة الطاو أكثر مما هو كائن يشرع القوانين المختلفة التي تحكم الجوانب المتعددة للحياة الإنسانية، ولكن، ورغم ذلك، إلا أن هذه الحضارات طورت مفهومًا آخرًا للقانون لا يعتمد على “الشخصية الميتافيزيقية” وهو القانون الطبيعي.
فبهذا المنحى من القانون، فإن الفرد يلتزم بعدة قوانين تحكم التعامل الإنساني في المجالات المتغايرة؛ بحيث أن هذه القوانين هي قوانين مستمدة من الطبيعة نفسها، فالصينيون لاحظوا أن هنالك قوانين تحكم الطبيعة نفسها وأسموا هذه القوانين (الطاو)؛ وجعلوا من الالتزام بهذه القوانين معيارهم الأساسي، رغم أن بعض المدارس الصينية، مثل الكونفوشسية عملت على إرساء قوانين وتشريع تعليمات وأنظمة كي تحفظ الدولة وتسير أمورها، خصوصًا بعد ما عُرِفَت به من نزعة نحو السياسة كحركة فلسفية.
إذًا، ما أريد قوله هو أن القانون والأسطورة تتداخل؛ بحيث تصبح الأسطورة تشرع قوانين؛ من خلال اعتقاد أفرادها أن الإله الخاص بالأسطورة يريد منهم تشريع هذه القوانين، كما أن للأسطورة قديمًا تأثير كبير على القانون، فلا يمكن فصل الأسطورة إذًا عن القانون.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.