مقالات

التصعيد بين إيران وإس*رائي*ل: هل تعيد طهران رسم قواعد الاشتباك

يشهد الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية في ظل التصعيد المتسارع بين إيران وإس*رائي*ل، في وقت تتواصل فيه المساعي الأمريكية للتوصل إلى اتفاق مع طهران حول ملفات تتجاوز البرنامج النووي لتشمل الأمن الإقليمي ومستقبل التوازنات في المنطقة. ويأتي هذا التصعيد في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها حسابات الحرب مع حسابات التفاوض، وتتشابك فيها الجبهات العسكرية مع الملفات الدبلوماسية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وموقع لبنان في معادلة الصراع، وإمكانية بقاء الولايات المتحدة خارج دائرة المواجهة المباشرة.
إن قراءة التطورات الأخيرة لا يمكن أن تتم بمعزل عن مفهوم “وحدة الساحات” الذي شكل خلال السنوات الماضية أحد أبرز المرتكزات الاستراتيجية للمحور الذي تقوده إيران. فالمقصود بوحدة الساحات ليس مجرد التنسيق بين قوى متحالفة، بل بناء معادلة ردع إقليمية تعتبر أن أي استهداف لطرف من أطراف هذا المحور في غ*ز*ة أو لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن هو استهداف للمنظومة بأكملها، ويستوجب رداً يتجاوز حدود الساحة المستهدفة.
ومن هذا المنطلق، فإن الضربات الإيرانية التي جاءت عقب القصف الإ*سر*ائي*لي للضاحية الجنوبية لبيروت لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد رد عسكري محدود، بل تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز الميدان العسكري. فالرسالة الإيرانية كانت واضحة بأن الضاحية الجنوبية ليست مجرد منطقة لبنانية تخضع لحسابات الصراع المحلي، وإنما جزء من منظومة الردع الإقليمية التي تعتبرها طهران امتداداً لأمنها القومي.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تسير على حبل مشدود بين حليفها الإ*سر*ائي*لي ورغبتها في إنجاز اتفاق مع إيران. فالتصريحات الصادرة عن الإدارة الأمريكية، والتي تؤكد قرب التوصل إلى تفاهمات مع طهران، تعكس إدراكاً أمريكياً بأن الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد ينسف سنوات من الجهود الدبلوماسية ويهدد المصالح الأمريكية في المنطقة. ولذلك فإن واشنطن تحاول الجمع بين دعم إس*رائي*ل أمنياً ومنعها في الوقت ذاته من اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى إشعال حرب شاملة.
غير أن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بلبنان، الذي يجد نفسه مجدداً في قلب الصراع الإقليمي. فمنذ التوصل إلى تفاهمات وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، كانت هناك جهود أمريكية وأوروبية وعربية لدعم الدولة اللبنانية وتمكين مؤسساتها من استعادة دورها في إدارة الملف الأمني والعسكري، وتعزيز موقع الجيش اللبناني باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بحماية الحدود والدفاع عن السيادة الوطنية.
إلا أن الرد الإيراني على استهداف الضاحية الجنوبية أعاد طرح إشكالية أساسية تتعلق بمن يملك القرار الاستراتيجي في لبنان. فحين تصبح الضاحية جزءاً من معادلة الردع الإيرانية، فإن ذلك يعني عملياً أن أي ترتيبات أمنية أو تفاوضية بين لبنان وإس*رائي*ل لا يمكن فصلها عن الحسابات الإقليمية الأوسع التي تديرها طهران.
ومن هنا يمكن فهم القلق المتزايد لدى الأوساط السياسية والدبلوماسية الغربية من احتمال أن تكون إيران بصدد إعادة إدراج الملف اللبناني ضمن سلة التفاوض الإقليمي الشامل، بعد أن كانت هناك محاولات لفصل هذا الملف عن بقية ملفات الصراع. فنجاح هذا التوجه الإيراني يعني أن أي اتفاق مستقبلي بشأن الحدود أو الأمن أو إعادة الإعمار أو الاستقرار في لبنان سيظل مرتبطاً بمستوى التفاهم أو التوتر بين واشنطن وطهران.
أما على الصعيد اللبناني الداخلي، فإن الرئاسة والحكومة اللبنانيتين قد تجدان نفسيهما أمام موقف شديد الحرج. فمن جهة، تؤكد الدولة اللبنانية التزامها بمبدأ السيادة وحصرية قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية، ومن جهة أخرى تظهر الوقائع الميدانية أن الساحة اللبنانية لا تزال متأثرة بصورة مباشرة بالمعادلات الإقليمية وبالتوازنات التي تتجاوز حدود الدولة.
وهذا التناقض يضع القيادة اللبنانية أمام تحدٍ سياسي وقانوني معقد. فالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يؤكدان مبدأ سيادة الدول وعدم جواز استخدام أراضيها كساحة لتصفية الصراعات الإقليمية، كما أن قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 1701، تهدف إلى تثبيت الاستقرار ومنع التصعيد العسكري عبر الحدود. غير أن التطبيق العملي لهذه المبادئ يظل رهناً بقدرة الدولة على فرض سلطتها الكاملة على أراضيها، وهي معضلة لا تزال قائمة في الحالة اللبنانية.
على المستوى الاستراتيجي الأوسع، لا يبدو أن إيران تسعى في هذه المرحلة إلى حرب شاملة مع إس*رائي*ل أو الولايات المتحدة، كما لا تبدو واشنطن راغبة في الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط. لكن الطرفين يحاولان تحسين شروط التفاوض من خلال توظيف أوراق القوة المتاحة. فإيران تسعى إلى إثبات أن نفوذها الإقليمي ما زال قائماً وأن تجاهل مصالحها في أي ترتيبات أمنية سيكون مكلفاً، بينما تحاول الولايات المتحدة الوصول إلى اتفاق يحد من النفوذ الإيراني دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وفي هذا السياق، تبدو إس*رائي*ل الطرف الأكثر قلقاً من نجاح أي اتفاق أمريكي إيراني لا يأخذ في الاعتبار رؤيتها الأمنية. ولذلك فإن التصعيد العسكري الحالي قد يكون جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي المقبل، وعلى موقع كل من إيران وإس*رائي*ل فيه.
إن جوهر الأزمة الحالية لا يكمن فقط في تبادل الضربات العسكرية، بل في الصراع على رسم قواعد الاشتباك الجديدة في المنطقة. فإيران تسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن أمن بيروت مرتبط بأمن طهران، وأن أي اعتداء على أحد أطراف محور المقاومة سيستدعي رداً من ساحات متعددة. أما الولايات المتحدة وإس*رائي*ل فتسعيان إلى تفكيك هذه المعادلة وإعادة الفصل بين الساحات المختلفة، بما يسمح بعزل كل ملف عن الآخر والتعامل معه بصورة منفصلة.
وبين هذين المشروعين المتعارضين يقف لبنان مجدداً في قلب العاصفة، فيما تبقى المنطقة بأسرها أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تبدأ من استمرار الضغوط الدبلوماسية وقد لا تنتهي عند حدود المواجهة الإقليمية الواسعة إذا أخفقت الجهود السياسية في احتواء التصعيد وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض.
وفي المحصلة، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول الصواريخ المتبادلة بين إيران وإس*رائي*ل، بل حول مستقبل التوازنات الإقليمية، وهوية القوى التي ستملك حق التأثير في قرارات الحرب والسلام في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى