آراء متنوعة

المادة 140.. من الضمانة الدستورية إلى فخ البيروقراطية

لنغمض أعيننا للحظة ونستحضر العالم قبل خمسمائة عام مضت، حينها لم تكن هناك حدود صارمة على الكرة الأرضية، وكانت الأديان هي من تقرر من يعلن الحرب وعلى من، او أي أُمّة تعيش مع أخرى بسلام وامان.

ولكن العالم بدأ يعاني لاحقا من جور الملوك والأديان السماوية وأصابه التعب والملل، فتقرر رسم الخطوط بين ثنايا أراضي الأمم والشعوب، وهي خطوط رسمت تحت مسمى الحدود. وظهر تعريف باسم الهوية وحب الوطن والإخلاص له، من رحم الثورة الفرنسية العظيمة والدموية وصولا الى ولادة مفاهيم المؤسسات والمنظمات السياسية والإنسانية والجيوش المسلحة الحديثة في حقبة ما بعد اتفاقية (سايكس بيكو)، التي ساهمت في إيداع آخر الإمبراطوريات والسلطة الدينية العثمانية التركية في أرشيف التاريخ، فتم غرق أراضي نفوذها الامبراطوري- التي كانت ملكا الشعوب والأمم الأخرى- في بحر القرارات والدساتير والقوانين والقواعد السياسة الاستعمارية. 

ومنذ ذلك الوقت وقع الكورد في دوامة تلك السياسة وتم اجبارهم على الرضوخ لتلك الخطوط والتصاميم، ومنذ ذلك الوقت والى يومنا هذا يتم التعامل مع الكورد وقضيتهم كأنهم في قاعة انتظار، دون ان تطأ اقدامهم غرفة التوقيع النهائي ابدا.

إن صياغة وادراج المادة 140 في دستور العراق لحل مشكلات المناطق الكوردستانية خارج جغرافيا إدارة حكومة اقليم كوردستان، او الجغرافيا التي خضعت لسيطرة وادارة حكومة الاقليم الكوردي بعد الانتفاضة العراقية عام 1991 كأمر واقع، ربما أنها لم تكن في نظر وفكر وخطط القيادة الكوردستانية والدبلوماسيين الكورد بوصفها فخا قانونيا.

ولكن من وجهة نظر الأجنحة السياسية المتمسكة بالمركزية الصارمة، والتي ورثت آليات البيروقراطية من النظام السابق، فإن تلك المادة صممت وتم تثبيتها كبداية لمسار معين، بحيث تقوض شرعية هذه البقعة الجغرافية والاراضي الكوردستانية وتطبيقها عمليا، وتحول القضية كلها الى روتين السياسة وادارة الازمات وتتحول من ملف مغلق الى مجرد نصوص وصياغات لمطالب متكررة وعرائض ووعود مؤجلة.

وفي نهاية المطاف مع مرور الزمن وتغيير التشكيلات الوزارية ورؤساء الوزراء والسياسات الاقليمية العامة، تتحول الوعود المكتوبة وغير المكتوبة في صراع بين الاستراتيجية والتكتيك السياسي، الى قضية معلقة لا توقيتات فيها ولا تاريخ، وهذه بحد ذاتها تفقد حيويتها مع مرور الوقت وتغير الظروف السياسية وفقدان الكورد لبطاقاتهم الرابحة، لتبقى هذه القضية هامشية ولا أثر لها.

وإذا كانت المادة 140 منذ البداية، في وجهة نظر الكورد هي مجرد قطعة من الأرض ومنطقة وبيئة وعدد من المدن المتنازع عليها، إلا أنها كانت منذ البداية بالنسبة لتيارات النفوذ المركزي في بغداد بمثابة غزل وحياكة نسيج للعراق المركزي الموحد، والوريث الشرعي لتاريخ قرن مضى وتجعل من النفط والجغرافية السياسية وعمق النفوذ وتحويل الانسان والارض الى اقليات وتقزيم السلطة والحقوق الكوردية في هذه المادة من الدستور كأجندة لفرض الهيمنة السياسية والقومية.

لماذا تهتز خارطة الدولة في عقيدة صناع القرار المركزي بمجرد الحديث عن المناطق المتنازع عليها المشمولة بالمادة 140 ؟

كانت المناطق المتنازع عليها، تاريخيا وحاليا، جغرافيا مناطق ذات غالبية سكانية كوردية، فلماذا تعد حدودا اثنية ومناطق مقدسة بالنسبة للمركز، في حين أنه يراها كحدود سياسية رسمت بمساطر الخرائط، بينما يدافع الكورد عن امتدادهم الديموغرافي والجغرافي التاريخي الذي عُمّد بالتضحيات قبل الخرائط وبعدها. 

ولو كان الأمر وفقا للتصريحات والسياسات الاستراتيجية المتصارعة، فإن المناطق المتنازع عليها في رؤى وفهم وخطط رجال السلطة في العراق، لا ترى بوصفها نقطة تلاق لثقافتين وجغرافيتين متناغمتين ومواطني بلد واحد، بل ينظر إليها كعمق استراتيجي للديموغرافيا الاستيطانية للوافدين. ومن دون الالتفات  الى التعايش السلمي واعادة صياغة خارطة جديدة للإدارة الحكومية على اساس حقوق المكونات والتعددية القومية والدينية في العراق الاتحادي الجديد، بل تُجعل هذه المناطق ساحة مواجهة لفرض هيمنة العرق واللغة والجغرافيا أمام النفوذ الكوردي كشعب وأرض ولغة مختلفة. 

لذلك في مناخ نفسي وسياسي من هذا النوع، فإن المادة 140 تقع تحت رحمة اللجان والتحقيقات والإحصاءات وتصبح المصطلحات الدستورية بحاجة الى تفسيرات وتأويلات جديدة، بحيث ان الملفات تؤرشف والوعود تمحى من الذاكرة، ويصبح الاستقرار الإقليمي والأمن الاقتصادي وسيادة الدولة المركزية أهدافا استراتيجية تفرض بالقوة، ولن تحصل المادة 140 بذلك على فرصة للتنفيذ ابدا، لأن الحكام، من دون الالتفات الى خير ومصالح العراقيين العامة، يسوقون المناطق المتنازع عليها لشارعهم وجماهيرهم كحصن ودرع للدفاع عن الأمن الاقتصادي وهيمنة الدولة العراقية، ويجري هذا في وقت توجد فيه مئات الكيلومترات المربعة من الأرض العراقية قاحلة جرداء ويتوجب على الدولة أن تعمرها وتنعشها وتجعل منها جزءا مهما آخر للسلة الغذائية والأمن الاقتصادي للبلاد.

ان الحكام الذين يسلبون من الكورد ارضهم وحقهم ويجعلون منها مكاسب وهدايا لجمهورهم ولمجتمعهم، يغفلون عما يخبرنا به تاريخ يمتد لأكثر من قرن من تأسيس العراق بان: ان هؤلاء الحكام قد انتزعوا الصداقة والاخوة الكوردية من باقي المواطنين العراقيين وقدموا لهم العداء، لذلك في العراق الجديد يتوجب على حكام بغداد ان يكونوا رمزا للتعايش السلمي بين جميع مكونات العراق لا ان يتحولوا الى رمز لانسداد الطرق الجغرافية والأمنية، وعائقا أمام التعايش ورفاهية شعوب هذا البلد. ومادامت المادة 140 قد أُدخِلت في نفق التعطيل البيروقراطي، فإن الحاجة باتت ملحة لابتكار أدوات دبلوماسية جديدة تنقل الملف من قاعات اللجان المؤجلة إلى فضاء التفاهمات الاستراتيجية الشاملة القائمة على المصالح الاقتصادية المشتركة والمواطنة والتعددية.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى