آراء متنوعة

نيجيرفان بارزاني.. عقل الاستقرار فوق حقول الألغام الإقليمية

لا تشبه جغرافيا الشرق الأوسط في تعقيداتها الراهنة أي مرحلة تاريخية مضت، فهي ليست مجرد جغرافيا سياسية متأزمة بل هي جغرافيا النار التي تتداخل فيها خطوط التماس، وتتقاطع فوقها استراتيجيات الدول الكبرى مع طموحات القوى الإقليمية، وفي قلب هذه البيئة الملتهبة، يقف إقليم كوردستان ككيان دستوري يواجه تحدي البقاء والازدهار وسط حقل ألغام ممتد من بغداد إلى دمشق، ومن طهران إلى أنقرة.

في هذه اللحظات التاريخية الحرجة لا يعود النجاح السياسي وليد الصدفة، بل يصبح نتاجاً لـ عقل الاستقرار والبراغماتية المرنة التي يجسدها رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني بوصفه مهندس العبور الآمن ورائد الدبلوماسية الوقائية في المنطقة.

لم تكن الزيارة الأخيرة للمبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص لشؤون العراق وسوريا توم باراك، إلى أربيل مجرد جولة بروتوكولية بل جاءت لتوثق تحول عاصمة الإقليم إلى مركز ثقل استراتيجي ومحطة لا غنى عنها لصياغة التوازنات الإقليمية الجديدة. لقد بدا ثقل المهمة واضحاً من خلال طبيعة الوفد المرافق لباراك والذي ضم القائم بأعمال السفارة الأمريكية في بغداد جوشوا هاريس وقائد قوة المهام المشتركة للعمليات الخاصة في عملية العزم الصلب الجنرال كيفن لامبرت، هذا الحضور العسكري والأمني رفيع المستوى يعكس أن واشنطن، في ظل الإدارة الأمريكية الحالية ذات العقلية البراغماتية الحاصدة لإنهاء النزاعات لا تسعى وراء تفاهمات عابرة بل تبحث عن ركائز استقرار مؤسساتية صلبة، وتجد في رؤية نيجيرفان بارزاني الشريك الموثوق والقادر على فك العقد المستعصية.

تجلت عبقرية الدبلوماسية الكوردستانية في أبهى صورها خلال الاجتماع المشترك المغلق الذي احتضنه رئيس  اقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني في أربيل وضمه مع المبعوث الأمريكي توم باراك وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي. هذا اللقاء يمثل امتداداً استراتيجياً للدور المحوري الذي تلعبه أربيل كـ عرّاب ومضمن للاستقرار في المنطقة، فبعد الرعاية التاريخية لتفاهمات يناير التي هدفت إلى رسم ملامح التعاون والتنسيق المعقد في الداخل السوري جاء هذا الاجتماع ليؤكد أن أربيل هي الجسر الوحيد القادر على موازنة لغة الصفقات والتوجهات الأمريكية الجديدة نحو حسم النزاعات وتوجيهها نحو مسار عقلاني يحمي الوجود الكوردي وحقوق المكونات المكتسبة دستورياً وإنسانياً دون الانزلاق إلى صدامات ومغامرات برية غير محسوبة النتائج وسط غياب الضمانات المكتوبة.

على الصعيد العراقي، كشفت المباحثات عن عمق الرؤية الاستراتيجية لـ عقل الاستقرار، إذ ركزت اللقاءات على ضرورة دعم الحكومة الاتحادية الجديدة برئاسة علي الزيدي، والالتزام بإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت وتفكيك المجموعات المسلحة خارج إطار القانون. وهنا يثبت السيد نيجيرفان بارزاني بالـ ريال بوليتيك  أن حماية كيان إقليم كوردستان الدستوري لا تتحقق بالانعزال بل بالدفع نحو بناء دولة قوية ومستقرة في بغداد. إن رؤية رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني تنطلق من معادلة واضحة: أن أربيل المستقرة تحتاج إلى بغداد قوية ومحررة من سطوة السلاح الموازي، لذا فإن الدعم الكوردي لحكومة الزيدي في تطبيق القانون والدستور يمثل صمام أمان مشترك يحول دون تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ولأن هندسة الاستقرار لا تكتمل دون ركائز اقتصادية تحميها، تزامنت هذه الحركات الدبلوماسية مع تحول نوعي في ملف الطاقة تمثل في خطة الاستثمار الاستراتيجية المقترحة من شركة بيرل بيتروليوم بقيمة تفوق 10 مليارات دولار لمضاعفة إنتاج الغاز الطبيعي في الإقليم على مدار العقد المقبل وسط مطالبات حيوية بتسليح الإقليم بمنظومات دفاع جوي متطورة لحماية منشآته. هذا الترابط الوثيق يكشف عن مهارة القيادة في كوردستان بالتكامل بين رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني في تحويل أمن الطاقة والاقتصاد في الإقليم إلى مصلحة أمنية عليا للأمن القومي الدولي وللشركات العالمية، إن تحويل الغاز الكوردستاني إلى شريان حيوي للاستقرار الإقليمي والدولي يعني فرض حماية تلقائية لسيادة الإقليم وأجوائه، وتحويل الاقتصاد إلى درع واقٍ في مواجهة الأزمات.

تدرك واشنطن، مثلما يدرك عقل الاستقرار، أن القوة الخارجية تبدأ من التماسك الداخلي، ومن هنا جاءت الرسائل المشتركة خلال الزيارة بضرورة إنهاء الانسداد السياسي المحلي والإسراع في تفعيل البرلمان وتشكيل التشكيلة الوزارية العاشرة لحكومة الإقليم كوردستان، فالوحدة بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والاتحاد الوطني ليست مجرد خيار سياسي، بل هي الركيزة الأساسية التي تمنح دبلوماسية السيد نيجيرفان بارزاني القوة والمرونة الكافية للمناورة فوق حقول الألغام الخارجية.

إن التدقيق العميق في جوهر الحراك الجيوسياسي الذي تقوده أربيل يضعنا أمام حقيقة فلسفية صلبة في علم العلاقات الدولية..أن الجغرافيا قد تكون قدراً ثابتاً لكن الدبلوماسية الرصينة هي التي تعيد صياغة أحكام هذا القدر.

عندما تجلس أربيل في منتصف يونيو 2026 لتربط خيوط التفاوض الحركي بين براغماتية البيت الأبيض الاندفاعية وحسابات دمشق الانتقالية، وهواجس الجوار الإقليمي، مع الحفاظ على العمق القومي لكورد روجآفا ودعم ركائز الدولة الدستورية في بغداد، فإنها لا تمارس مناورة سياسية عابرة، بل تعيد تعريف مفهوم سيادة العقل.

الرسالة الأكثر عمقاً وصمتاً التي يرسخها رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني في أدبيات المنطقة هي.. أن الأزمات الوجودية لا تُفكك بالصخب، وأن القوة الحقيقية للكيانات المحاطة بالحرائق لا تقاس بحجم النيران التي تستطيع إشعالها، بل بحجم السلام والاستقرار الذي تفرض حتميتَهُ على الجميع. هنا يكمن السر الحقيقي للعبور، فحين تصبح أربيل واحة التوازن الوحيدة التي يلجأ إليها الخصوم والحلفاء لتفادي الانهيار الشامل يتحول إقليم كوردستان من مجرد طرف يبحث عن حماية دولية إلى شريك استراتيجي يصنع معادلة الأمان للمنطقة بأسرها، إنها العبقرية الصامتة التي تثبت للعالم، يوماً بعد يوم أن العواصف الإقليمية مهما بلغت شدتها تتكسر دائماً عند عتبة العقول التي تتقن كيف تحوّل جغرافيا النار.. إلى منارة للاستقرار.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى