زاكورة … حين تصبح الهوامش مستودعا للأزمات – عبد العزيز
في مفارقة تكشف اختلال تدبير قضايا الهجرة، تحولت بعض دواوير إقليم زاكورة إلى وجهة لعمليات تنقيل مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء من المدن الكبرى دون مذاكرة مسبقة مع الساكنة أو الفاعلين المحليين، وكأن معالجة أزمة الهجرة تتم بإعادة توزيعها جغرافيا لا بمعالجة أسبابها وتداعياتها. فهذه المجالات الهشة، التي تعاني أصلا من مشاكل هيكلية معقدة مرتبطة بانعدام فرص الشغل وضعف البنية التحتية ، تجد اليوم نفسها مطالبة بخلق حلول لاشكال معقد لم تكن طرفا في خلقه ولا تتوفر على شروط تدبيره، بما يطرح تساؤلات دقيقة حول العدالة المجالية ونجاعة السياسات العمومية في تدبير ملف الهجرة. وعندما عجزت المدن عن حل تعقيداتها، تحول الهامش إلى مكان للتصريف لا الحل؛ فتنتقل الأزمة من المركز إلى الأطراف دون أن حلول بنيوية وإنسانية.
إن الترحيل القسري لهؤلاء نحو أقاصي إقليم زاكورة ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو تكريس لسياسة أمنية قاصرة تخلق من المأساة مأساتين، وتجعل الضحية ضحيتين. فالمهاجر ليس مجرد عابر ألقي به في بيئة تفتقر لأبسط ضروريات الحياة ليتحول قسرا من باحث عن كرامة إلى عبء ، والساكنة المحلية ليست طرفا كارها، بل هي مجتمع محلي نزل عليه قرار فوقي على حين غرة مهددا توازنه السوسيو-اقتصادي الضعيف، مما ولد لديه هوسا مشروعا قد يؤدي إلى عداء مجاني. الأزمة الحقيقية لا تكمن في صراع أو تصادم الهويات أو أي شىء آخر، بل في غياب رؤية حكومية ناجعة؛ بحيث اختارت تدبير الهجرة بمنطق الترحيل بدل التخطيط والإدماج.
إن كرامة الإنسان كل لا يتجزأ؛ فلا كرامة المهاجر تستباح وتزدرى باسم أمن مزعوم، ولا كرامة الساكنة المحلية تستفز وتمتهن باسم تضامن مفروض دون تهيئة. والموقف الأخلاقي الحقيقي يستدعي مقاربة عقلانية تنموية لا عشوائية أمنية؛ وذلك بتبني سياسة هجرة قوامها الإدماج المخطط لا الترحيل؛ فالعدالة لا تقاس بمكان وضع الأزمة، بل بحجم المسؤولية التي تتحملها الدولة في حلها. وكما قال الفيلسوف والمفكر فرانتز فانون: إن الكرامة الإنسانية ليست هبة تمنح، بل حق لا يقبل التجزئة؛ ومتى أهين إنسان في أي مكان، فقد إهينت الإنسانية جمعاء .
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.