الانتخابات والفساد

لويس إقليمس       

بغداد، في 9 أيار 2018
لو اتصف غالبية الشعب العراقي بشيء مقنع من الوعي والإدراك لِما حصل له على أيدي مافيات الفساد الإداري والسياسي الذي اتصفت به حكومات البلاد منذ 2003، لتسنى له تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية من دون مجاملة ولا مواربة ولا خجل ولا خوف. بل توجبَ عليه أن يعلنها على أسماع الملأ يوم السبت القادم 12 أيار 2018، موعد الاستحقاق التشريعي المنتظر: كفى ما لحقنا منكم من سرقات وتلاعب بمقدرات البلاد ونهب ثرواتها، ومن مظالم ووعود عرقوبية وضحك على الذقون، ومن كذب واحتيال وخداع لضعاف النفوس ولغالبية الشعب المغلوب على أمره، والذي اعتاد عبادة الأشخاص وتعظيم الجلاّدين والمشي خلف المستغلّين للبسطاء. فمثل هذا الوعي النسبي في صفوف العامة بعد سنوات من التجربة والخبرة كان يمكن أن يكون رهانًا قويًا على إحداث تغيير جذريّ في المشهد السياسي باستبعاد كلّيٍّ للزعامات القديمة التي قوّضت الحسّ الوطنيّ ومزّقت النسيج الاجتماعي وأحالت البلاد إلى شبه دولة مستهلكة للمنتجات المستوردة بلا رحمة، ومستجدية للقروض المتكالبة عليها، وغارقة بالديون المتراكمة من دون تخطيط ولا إدارة ولا نتائج. وهذا كان فحوى توصية المرجعية الشيعية العليا “المجرَّب لا يُجرَّب”.
هي خيبة أمل كبيرة ببقاء ذات الرؤوس الكبيرة القديمة التي طلّت علينا منذ أيام من جديد، بإعلاناتها الضخمة ويافطاتها الكبيرة التي تتناسب طرديًا مع تخمة الفساد التي عاث بها هؤلاء في البلاد ومَن على خطاهم وسيرتهم، طيلة السنين العجاف المنصرمة. هي ذاتُها إذن، مَن ستتحكم بالعملية السياسية لسنوات أربع عجاف ظالمات سالبات قادمات لا محالة، إن هي أُعيد انتخابُها مرة أخرى. فهي التي ستشكل حكومة المحاصصة الوفاقية، وهي التي ستكمل تقاسم ما تبقى من الكعكة المشتراة سلفًا بدماء الشهداء والجرحى وبتراكم الديون والقروض والتسليف المسبق التي من شأنها إبقاء البلاد والعباد أسرى الدول الخارجية المستغِلّة لسنواتٍ طوال قادمات. ألا يكفي ما حصل من خراب ودوس لكرامة البشر واختفاء لكلّ ما كان حضاريّا وعلميّا وتراثيًا وأخلاقيًا و…، أم إن نوع البشر المغفل في عراق الحضارة ليس قادرًا على تعلّم الدروس ولا الثورة على الظلم والقهر والمتاجرين بمقدراته ومصيره ومستقبل أجياله؟
منذ أيام، وحُمّى وطيس الانتخابات تستعر في تجمعات انتخابية دعائية وإقامة احتفالات لخداع شرائح كبيرة من الشعب الجائع الباحث عن لقمة عيش شريف في مكبات النفايات والأزقة المكتظة بحشود الفقراء، والعاطلين الباحثين عن فرصة عمل وغيرهم من الخريجين الذين خابت آمالُهم وآلت دراساتُهم وأتعابُهم العلمية إلى سوق الشورجة في بغداد وأسواق بيع الخضراوات والفاكهة في مدن وقصبات العراق بدل أن يسخروا ما اكتسبوه من معارف ومهارات في خدمة البلاد وفي تطويرها وتنميتها.
هكذا آلَ حالُ العراقيين أصحاب الحضارة والتاريخ العظيم وأولاد السلف الصالح من الأنبياء والأئمة الأطهار والأبرار والقديسين، ولم يجدوا مَن ينقذهم بعدُ من هذه الكارثة التي حلّت بهم وببلادهم. فكلُّ مَن توالوا على الحكم بعد حقبة الدكتاتورية الظالمة، ظهروا أشدّ قهرًا وعنفًا وأكثرَ فسادًا وظلمًا وأفظعَ خداعًا واحتيالاً، ينطقون باسم مكافحة الفساد وهُم من أشدّ الناس سرقة ونهبًا ولصوصيةً وفسادًا وكذبًا وخداعًا. جميعُهم يدّعون مكافحة الفساد ويحملون ملفات فساد لشهرها ضدّ الخصوم والمنافسين، وحين مقاسمة الكعكة تصمتُ الأفواه وتسكت الأصوات وتدخل الألسن في محاجرها خوفًا من انقلاب السحر على الساحر. هكذا، لم نعد نعرف مَن هو الفاسد ومَن هو سارق قوت الشعب ولا مَن هو ناهب خيرات البلاد منذ 2003 ولغاية الساعة.
حين قدوم رئيس الوزراء حيدر العبادي مدعومًا من الغازي الأمريكي وبمباركة من الشارع والمرجعية الرشيدة، ظنّ العديدون أنه حصان الرهان الأكبر في مسألة مكافحة الفساد وتنفيذ برنامج الإصلاح الذي طالب به عموم الشعب وبخاصّة طبقتُه المثقفة والقطاع الخاص على السواء. لكنّ شيئًا من تلك الوعود لم يحصل، بالرغم من سمة التسويف التي اتسم بها خطابُه وتلويحه الدائم بالعصا الغليظة في محاربة الفاسدين ودفع ملفاتهم إلى النزاهة، بحيث أصبحت كلمة “سوف” متلازمة مع مشروع محاربة الفساد غير القائم أصلاً. أربع سنوات مضت، وقد أصبحت هذه الكلمة أسيرة خطابات رنانة تزويقية إعلامية بلا تطبيق ولا تأثير على الممسكين بناصية المشهد السياسي بأسلوب المحاصصة الطائفية التي يرفض الجميع علنًا بمن فيهم وعلى رأسهم التحالف الشيعي وحزب رئيس الوزراء نفسه، الادّعاء بالخروجَ من عنق زجاجتها والتخلّي عنها تمامًا. وفي الأخير، تُركن جميع الملفات جانبًا كي لا تؤثر على مجرى الانتخابات وتبقي غطاء القدر مستورًا ومقفولاً ومشمَّعًا بالأحمر.
هكذا يُحارَبُ الفساد في العراق منذ 2003. فهل تتغيّر الحال بعد 12 أيار ويعي الشعب فداحة الكارثة التي أوقعته فيها الزعامات الحالية التي تاجرَ قسمٌ منها باسم االدّين، وآخرون بالوتر الطائفي والمذهبي، وغيره بالشرف العراقي، وجميعُهم نال من الكعكة ولم يشبع، ويريد المزيد “أربعَ أخريات لتجربتهم”!!! لا تدعوا العقارب ترجع ثانية، فلسعاتُها ستكون أكثر أذىً، والسمومُ التي ستنفثُها ستمدّر ما تبقى من البلاد…
قالوها “سندمّركم”. “مَن له أذنان سامعتان، فليسمع”!

شاهد أيضاً

حتى الأرض تستحي من دفنهم

خالد الناهي         حتى الأرض تستحي من دفنهم ربما بعد مئات السنين، عندما …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن