آراء متنوعة

ليبيا: انتخابات معلّقة على حبال الشرعية

ليبيا: انتخابات معلّقة على حبال الشرعية

 

منذ انهيار نظام معمر القذافي عام 2011، لم تُجرِ ليبيا انتخابات رئاسية واحدة ناجزة. الانتخابات البرلمانية عام 2014 أنتجت برلماناً طعن في شرعيته منافسوه، فانقسمت البلاد إلى معسكرين يتوارثان السلطة بالتفاوض حيناً وبالبنادق أحياناً. محاولات عام 2021 انتهت بانسحابات متبادلة وتأجيلات تراكمت حتى صارت التأجيل هو الوضع الطبيعي. واليوم، وفي ظل جدل دستوري عميق حول القواعد التي ينبغي أن تحكم أي استحقاق انتخابي مقبل، تقف ليبيا في المكان ذاته، لكنها أكثر إرهاقاً.

ما يميّز المشهد الحالي أن الطرفين المتنازعين فقدا القدرة على إقناع حتى حلفائهما. فالبرلمان في طبرق، الذي انتهت صلاحيته الدستورية منذ سنوات، يتمسك بموقعه بذريعة غياب البديل الشرعي، فيما المجلس الأعلى في طرابلس يكرر حججًا واهية لتبرير بقائه، وكلاهما يرسّخ حالة انسداد سياسي تُفاقم اليأس الشعبي وتُعمّق أزمة الشرعية في البلاد.

المأزق الليبي ليس في الدستور ولا في قانون الانتخابات ولا في خريطة الطريق. المأزق في إرادة من بيدهم القرار أن يتركوا البلد يتنفس وهم حتى الآن لم يُقرروا

المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، الذي أُفرز من توافق أممي هش عام 2015، بات هيئة استشارية تتصرف كسلطة تشريعية. كلاهما يُطالب بالانتخابات بوصفها حلاً، طالما أنها لن تُجرى وفق قواعد الطرف الآخر.

هذه المعادلة ليست مجهولة في تاريخ الانتقالات السياسية الفاشلة. ما يجعلها ليبية بامتياز هو حجم الموارد التي تُغذي الجمود. النفط، الذي كان يُفترض أن يكون رافعة إعادة الإعمار، أصبح وقوداً للصراع. كل طرف يُسيطر على حصة من عائداته أو طرق تصديره أو مؤسسات إدارته. وليبيا التي تستطيع نظرياً أن تُنفق على مستشفياتها ومدارسها ومسالكها الكهربائية، تعجز عملياً لأن المال يسير في أنابيب خارج الرقابة إلى جيوب خارج المساءلة.

لكن التفسير الاقتصادي وحده قاصر. الأزمة الليبية أزمة شرعية في جوهرها. لا توجد في ليبيا اليوم مؤسسة واحدة تحظى بقبول وطني فوق الجغرافيا والقبيلة والمنطقة. المحكمة العليا تُصدر أحكاماً يُنفّذها من يتفق معها ويُجمّدها من لا يُريحه. الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس لا تُسيطر على ما يزيد عن ثلث التراب الليبي. والقوات المسلحة، التي يُفترض أن تكون عامل توحيد، هي نفسها منقسمة بين قيادات وولاءات تتقاطع مع الأطراف المتنازعة.

ويزيد من تعقيد المشهد حضور قوى خارجية تجد في الفوضى الليبية مصلحة استراتيجية. روسيا، التي تحتفظ بحضور عسكري مرتبط بقوات مرتبطة بالشرق الليبي، لا تُعجّل بأي تسوية تُخرجها من موطئ قدم على البحر المتوسط. تركيا، التي أسّست نفوذاً عسكرياً ومالياً في طرابلس عبر اتفاقيات مثيرة للجدل، لا ترغب في انتخابات تُنتج سلطة تُعيد النظر في تلك الاتفاقيات. أوروبا، التي تنظر إلى ليبيا أساساً من زاوية الهجرة غير النظامية، تُفضّل استقراراً من أي نوع على فوضى تُطلق موجات جديدة عبر المتوسط. والولايات المتحدة، المنشغلة بملفات أخرى، تُشارك في مبادرات التسوية بجهد متقطع لا يرقى إلى مستوى تعقيد الأزمة.

في خضم هذا كله، يعيش الليبيون العاديون ما يمكن وصفه بـ”فقر الدولة” وسط ثروة الأرض. انقطاع الكهرباء لساعات طويلة في بلد يُصدّر النفط صار طبيعياً. التضخم يقتات من مدخرات الطبقة المتوسطة. الكفاءات المهنية تُغادر إلى تونس ومصر وأوروبا. ومنظومة التعليم والصحة التي كانت تُشكّل فخراً في حقبة سابقة صارت شاهداً على ما يُمكن أن تفعله اللادولة بالمجتمعات. والأخطر من كل ذلك هو ما يُمكن تسميته “ترسيخ اليأس”.

في بداية الثورة، آمن الليبيون بإمكانية التغيير. ثم جاءت المرحلة الثانية، مرحلة الإحباط، حين تعثّر الانتقال الديمقراطي. اليوم ثمة مرحلة ثالثة أكثر خطورة: كثيرون لم يعودوا يُصدّقون أن ثمة انتخابات قادمة أصلاً، وبعضهم بات يُشكّك في الانتخابات كأداة إصلاح حتى لو جرت. هذا التشكيك ليس سلبية سياسية بل هو منطق مُستخلص من تجربة متراكمة. وحين يفقد المواطن الإيمان بأداة التغيير السلمية، تتسع مساحة الخيارات الأخرى؛ وكلها مُرّة.

طرابلس تخشى أن تعني الانتخابات نهاية نفوذها. طبرق تخشى الأمر ذاته. والمجتمعات القبلية والجهوية في الجنوب والغرب والشرق تتساءل عمّن سيُمثّلها في أي ترتيب قادم

كيف يُمكن الخروج من هذا النفق؟ الإجابات المطروحة دولياً تتراوح بين خريطة طريق جديدة للأمم المتحدة، وهي الخريطة الثالثة أو الرابعة من نوعها، وبين ضغط اقتصادي على من يُعرقل المسار، وبين تقاسم إيرادات النفط بوصفه أداة للضغط نحو التوافق. كل هذه المقاربات لها منطق، وكل منها يصطدم بالواقع الليبي الصلب.

ما تفتقر إليه جهود الوساطة الدولية حتى اليوم هو الاعتراف الصريح بأن المشكلة الليبية لا تقبل حلاً تقنياً. ليست المسألة خلافاً على مادة في قانون انتخابي، بل هي أزمة توافق وطني على المستقبل. طرابلس تخشى أن تعني الانتخابات نهاية نفوذها. طبرق تخشى الأمر ذاته. والمجتمعات القبلية والجهوية في الجنوب والغرب والشرق تتساءل عمّن سيُمثّلها في أي ترتيب قادم. قبل الانتخابات، ثمة عقد اجتماعي غائب يحتاج إلى بناء، وهذا يستغرق وقتاً وإرادة لا تتوافر بالإعلانات.

الخطوة الأولى، المؤلمة، هي أن يُقرّ المجتمع الدولي بفشل مقارباته المتكررة بدلاً من إعادة تدويرها بأسماء مختلفة. وأن تتوقف القوى الإقليمية، تركيا وروسيا ومصر وقطر… عن الحديث عن الحل الليبي بينما تُغذّي كل منها طرفاً من أطراف الأزمة. وأن يُطرح على الليبيين أنفسهم سؤال لم يُطرح بجدية كافية: ماذا يريدون من دولتهم؟ لا في البيانات الرسمية، بل في حوار وطني حقيقي يُشرك القوى الاجتماعية والمدنية والقبلية التي تُحرّك البلد فعلياً خارج أروقة السلطة الرسمية.

لكن الأقسى أن يُقال، وينبغي قوله، إن ليبيا ربما لا تكون جاهزة اليوم لانتخابات وطنية شاملة. ليس لأن شعبها غير ناضج، بل لأن البنية التحتية للدولة التي تُجري انتخابات وتحترم نتائجها وتُعالج طعونها بمؤسسات مستقلة، هذه البنية ليست قائمة. الانتخابات في غياب الدولة ليست ديمقراطية، بل هي مُسابقة في الفوضى تفوز فيها القوى التي تمتلك أكثر بنادق وأكثر مالاً.

ثمة ليبيا أخرى لا تظهر في نشرات الأخبار: مجتمع مدني ينمو في الصمت، وصحفيون يعملون في ظروف صعبة، وشباب يُبنون مشاريع صغيرة تحاول إصلاح ما أفسدته السياسة، ونساء يُدرن مدارس ومستشفيات ومنظمات، فيما يُفاوض “الرجال” على تقاسم النفوذ.

الرهان الحقيقي لم يُحسم بعد. ليبيا، لن تنتصر ما دام فضاؤها السياسي محتكرًا من قوى لا تريد لها أن تنتصر. المأزق الليبي لا يكمن في نصوص الدستور، ولا في قوانين الانتخابات، ولا في خرائط الطريق الأممية، بل في قبضة أصحاب النفوذ الذين يرفضون ترك البلد يتنفس. القرار بأيديهم، لكنهم حتى الآن لم يحسموا أمرهم، تاركين ليبيا معلّقة بين الانتظار واليأس.

صلاح الهوني
إعلامي ليبي

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى