اتفاقية على الورق فقط… لماذا يبدو التفاهم الأمريكي
ابو بكر ابن الأعظمية
منذ سنوات طويلة تدور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في حلقات متكررة من التصعيد والتهدئة، والوعود والتهديدات، والتفاهمات المؤقتة التي لا تلبث أن تتعثر عند أول اختبار حقيقي. واليوم، ومع تسريب بعض البنود المتداولة حول اتفاق أو مذكرة تفاهم جديدة بين واشنطن وطهران، يزداد الجدل حول إمكانية تنفيذ هذه البنود على أرض الواقع، وسط شكوك واسعة من المراقبين والمتابعين للشأن الإقليمي.
فبحسب ما يتم تداوله، فإن جوهر الاتفاق المقترح يقوم على معادلة واضحة: تقييد أو تفكيك أجزاء أساسية من البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة في الخارج. لكن هذه المعادلة تبدو، من الناحية السياسية والاستراتيجية، أكثر تعقيداً من أن تتحول إلى واقع قابل للتنفيذ.
فإيران تنظر إلى برنامجها النووي باعتباره أحد أهم عناصر القوة والردع في مشروعها الإقليمي، كما أن التراجع عنه بصورة جوهرية سيُقدَّم داخل إيران من قبل الخصوم والمعارضين على أنه تنازل تاريخي واستسلام سياسي واستراتيجي أمام الضغوط الأمريكية. ولهذا فإن أي قيادة إيرانية ستواجه صعوبة كبيرة في تسويق مثل هذا القرار أمام جمهورها وقواعدها المؤيدة.
وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى الملف من زاوية مختلفة تماماً. فواشنطن لا تريد أن تتحول الأموال المفرج عنها إلى مصدر تمويل إضافي لنشاطات تعتبرها مهددة لمصالحها أو لحلفائها في المنطقة. ولذلك فإن أي إدارة أمريكية ستتعرض بدورها لضغوط سياسية داخلية كبيرة إذا وافقت على الإفراج عن مليارات الدولارات دون ضمانات صارمة ومراقبة دقيقة لكيفية استخدامها.
وهنا تكمن العقدة الأساسية؛ فكل طرف يطالب بما لا يستطيع الطرف الآخر تقديمه بسهولة. إيران تريد أموالها ورفع العقوبات مع الاحتفاظ بعناصر قوتها الأساسية، بينما تريد الولايات المتحدة تنازلات جوهرية وضمانات بعيدة المدى دون تقديم مكاسب كبيرة مقدماً.
ولهذا يرى كثير من المحللين أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في صياغة الاتفاقات أو توقيع المذكرات، بل في مرحلة التنفيذ. فالتوقيع قد يتم خلال ساعات، أما التطبيق فيحتاج إلى إرادة سياسية وثقة متبادلة تكاد تكون معدومة بين الطرفين بعد عقود من الصراع والمواجهة.
إن تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية مليء بالاتفاقات المؤقتة والتفاهمات التي ولدت وسط ضجيج إعلامي كبير ثم انتهت إلى طريق مسدود. ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل سيتم التوقيع أم لا؟ بل أصبح: هل يمكن تنفيذ ما سيتم التوقيع عليه فعلاً؟
وفي ضوء هذه المعطيات، يعتقد كثيرون أن مستقبل النظام الإيراني لن يتحدد فقط من خلال نتائج المفاوضات الخارجية، بل أيضاً من خلال التحديات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة. فالأزمات المعيشية، والضغوط الاقتصادية، والاحتجاجات المتكررة، والتغيرات الإقليمية والدولية، كلها عوامل تفرض واقعاً جديداً يختلف كثيراً عما كان عليه الحال قبل سنوات.
ومن هنا، فإن أي اتفاق محتمل قد يؤجل بعض الأزمات أو يخفف من حدتها مؤقتاً، لكنه لن يكون بالضرورة قادراً على معالجة جذور المشكلات العميقة التي تواجهها إيران. ولهذا يرى أصحاب هذا الرأي أن مستقبل النظام سيبقى مرتبطاً بقدرته على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية أكثر من ارتباطه بأي اتفاق سياسي أو اقتصادي مؤقت.
ويبقى المؤكد أن المنطقة تقف أمام مرحلة جديدة من التحولات الكبرى، وأن مصير المشاريع السياسية والعقائدية لا يُحسم بالتمنيات أو الشعارات، بل بقدرتها على الاستمرار والتكيف مع حقائق الواقع ومتغيرات الزمن.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.