منكيش الجمال والعطاء ، الاحوال الاقتصادية / الحلقة 24

??????: الدكتور عبدالله مرقس رابي منكيش الجمال والعطاء
الاحوال الاقتصادية / الحلقة 24
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي
                      تعتمد الحياة الاجتماعية في المجتمع التقليدي المستقر على الزراعة كمهنة رئيسة أساسية للأغلبية العظمى من السكان ،وثم تليها مهنة الرعي، أما التجار والحرفيون فكان قديما يعيشون غالبيتهم في المدن ،ولكن مع ذلك لم تخلو المجتمعات الريفية من بعض المهن الاخرى كما هي في المدينة مثل الحرف الصناعية والتجارة والبناء والنجارة وغيرها ولكن بشكل محدود قياسا لما هو شائع في المدن . ففي السابق كما هو في عصرنا كان سكان المدن يعيشون على ما ينتجه أبناء الريف من الغلات الزراعية والمنتوجات الحيوانية، فيتم التبادل التجاري بينهما مستندا على المقايضة ،المواد الغذائية المنتجة في الريف مقابل المنتجات الحرفية وغيرها المصنعة في المدينة .
على هذا الاساس يعد الاقتصاد القروي أقتصادا محدودا مبسطا يقوم على زراعة المحاصيل الذي هو غذاؤهم الاساسي ،وثم تربية الماشية التي توفر لهم الالبان واللحوم والجلود والاصواف التي تلبي احتياجاتهم والفائض يتم تبادله مع ما ينتجه أبناء المدينة ،كما أستخدم القروي الحيوانات في التنقل والزراعة ،ولم تكن الزراعة معتمدة على التكنولوجية الحديثة أو التعليم المهني الزراعي كما هو حديثا بل على ما أكتسبه الفلاحون من خبرة على مر الاجيال ،وما يمتلكون من أدوات بسيطة انتقلت اليهم كجزء اساسي من التراث الاجتماعي الذي خلفه لهم أجدادهم .
وفي منكيش مارس السكان قديما وحديثا نشاطات أقتصادية متنوعة ولكن الاساسية منها هي الزراعة والرعي .وقد طرأت تغيرات على الانشطة الاقتصادية في منكيش نتيجة التطورات التقنية والتغيرات الاجتماعية وبسب التعليم ودخول الابناء الى المدارس ومواصلة دراستهم ،كما أن تطور وسائط النقل السريعة كانت عاملا اساسيا للاحتكاك مع المدن ،مما أثر ذلك في ترك الابناء للقرية والهجرة الى المدن .وفيما يلي أهم الانشطة الاقتصادية في منكيش مع تبيان التغيرات التي طرأت عليها:
الزراعة :
         أشتغل جميع سكان منكيش قديما في الزراعة ، حتى الذين مارسوا الانشطة ألاقتصادية الأخرى وقد كانت الزراعة نشاطهم الاساسي .وقد ساعدت البيئة الطبيعية في انتشار المزروعات المختلفة  لتنوع طبيعة المناخ في الفصول الاربعة وخصوبة التربة لسقوط الامطار والثلوج في فصل الشتاء وتدفق الينابيع الطبيعية في فصلي الربيع والصيف بالاضافة الى ما حفر أجدادنا من الينابيع وتجميع مياهها في بركة لسقي المزروعات الصيفية ،وقد لاحظنا في المقال رقم  2 من سلسلتنا انتشار عشرات الينابيع في عقارات منكيش .وسميت باسماء العوائل التي تمتلكها أو باسماء اخرى .وكانت الاراضي المزروعةعلى نوعين : ديمية تعتمد على نسبة الامطار الساقطة في فصلي الشتاء والربيع ،وتُزرع بالحنطة والشعير وحقول الكروم،والثاني هي المروية التي تعتمد على مياه الينابيع المتدفقة في الصيف وتُزرع فيها الرز والفواكه والخضراوات بأنواعها المختلفة وفيما يلي أهم المحاصيل الزراعية في منكيش قديما وحديثا :
– المحاصيل الزراعية الشتوية :
                                   وهي المحاصيل التي تُزرع في بداية الشتاء وتُجنى في نهاية الربيع .وأشتملت بالدرجة الاساس الحنطة والشعير .وتكثر زراعتها في معظم الاراضي الديمية المحيطة بالبلدة .وأما زراعتها وجنيها تمران في سلسلة من الانشطة كما يأتي :
 
يقوم الفلاح بتهيئة الارض للزراعة في فصل الخريف بحراثتها وهي عملية تقليب التربة ،وقد استخدم المزارع المنكيشي قديما والى منتصف السبعينات من القرن الماضي المحراث الخشبي القديم الذي يعد أول آداة استعملها الفلاح في الزراعة لحرث الاض ،وعليه كان معدل أنتاج الدونم الواحد منخفض ،فكان المنتوج عند معظم الفلاحين لسد الحاجات الذاتية لعوائلهم لصناعة المواد الغذائية كمونة لايام السنة .وكان المحراث المصنوع من الخشب يتكون من عدة أجزاء متناسقة ومترابطة ببعضها لتشكل الاداة المستخدمة للحراثة،علما أن تسمية  أجزائها  وأشكالها تختلف من منطقة الى اخرى ومن زمن الى آخر. وكانت المحاريث تجرها الحيوانات ،أما زوج من الثيران أو من البغال. وأما أجزاء المحراث الذي استخدمه المزارع المنكيشي بحسب ما وصفه السيد شليمون أسحاق تبو هي :
السكة         سكثا         كانت قديما تُصنع من الخشب وبعدها من الحديد
الصمد        كوشة        يمسكها الفلاح بيده
الركبة        أبزارَ         توصل المقبض بالسكة
الماج                       وهي قطعة توصل الركبة مع السكة ومع الكابوسة
الكابوسة     مشانة       تربط الاجزاء السابقة مع النير
الكدانة       قطريوا       تربط الكابوسة بالنير
النير         نيرا           وهو الجزء الذي يُربط بأعناق الحيوانات المستخدمة في الحراثة
المسبلات   كلامة         توضع على رقبة الحيوان وهي جزء من النير
وهناك ما تسمى محليا ( الخابة ) تربط الركبة بالكابوسة وثم  ( بلك) الجزء الذي يربط الكابوسة بالنير
وبعد تهيئة الارض يبذر الفلاح البذور المُراد زراعتها ، وكانت عملية البذر تتم يوم الاحد بعد القداس لكي يتبارك الزرع ويكون المحصول وفيرا،وثم تُترك . ويعتمد وفرة المنتوج على كمية الثلوج والامطار الساقطة في فصل الشتاء ،وفي نهاية الربيع في شهر ايار وحزيران يبدأ موسم الحصاد، فيتم الحصاد من قبل أفراد العائلة أو الاستعانة بالاخرين من اهالي القرية مقابل أن يساعده هو الاخر بالحصاد في حقله أو أحيانا يعوض بكمية من المنتوج ، وكانت مدائح وأغاني تُقال من قبل الحصادين للتخفيف عن تعبهم وتشجيع بعضهم البعض لمواصلة الحصاد .وكانت المحاصيل تكدس بشكل دائري في الحقل لفترة وتسمى الكومة محليا ( كديشا ) .وبعدها تنقل الى البيادر بعد شدها على خشبة مصنوعة لهذا الغرض وتسمى( شخري ) وتوضع على ظهر الحيوان لنقلها الى البيدر الذي قد هيأه الفلاح سابقا. وكانت اغلب البيادر تقع في شرق القرية القديمة ومعروفة ببيادر العليا والسفلى ،وكل بيدر تمتلكها عائلة ما . والذي لا يمتلك بيدرا يمكنه الانتظار الى أن ينهي عمله صاحب البيدر ويستغلها ، وقد تحولت هذه البيادر الى أراضي سكنية بعد منتصف السبعينيات من القرن الماضي ولكن لاتزال المنطقة مترسخة في أذهان الاهالي وتسمى ( البدراثة ) عندما يُشار اليها.
يُكدس الفلاح المحصول والذي يسمى محليا ( قرشا ) في البيدر على شكل كومة ،ويوضع عمود خشبي في وسط الكومة ويُربط بحبل طويل لكي يربط بالنير الذي على رقبة الحيوان ويفرش قسم منه على مدار الكومة ويدرس بواسطة أداة بسيطة تسمى (الجرجر ) وهي عبارة عن صندوق خشبي وفي وسطه دولاب مثبتة عليه فؤوس من حديد ، يسحبه زوج من الحيوانات ،أما تكون بغالا أو أحصن . ويجلس عليه أحد الاشخاص لكي يزداد ثقله ويضغط على القش ، وعندما تُدرس القش المفروشة ،يؤخرها الفلاح وثم يفرش من الكومة وهكذا الى أن تُدرس بحيث يتحول القش الى التبن ومعه الحبوب .

المحراث الخشبي

الجرجر

الجرجر

بعدها تتم الخطوة الاخرى وهي فصل التبن عن الحبوب ،وتسمى ” التذرية ” وغالبا ما يقدم للتذرية الفلاح في الفجر حيث تهب بعض الرياح التي يستغل حركتها للتذرية ،ويستخدم اداة خشبية لها رؤس مصنعة لهذا الغرض ( المنذرة ) وتسمى محليا ( ملخاوا ) .وبعد عمل شاق يتم فصل التبن عن الحبوب ، والتبن يكون على نوعين ،الخشن ويسمى محليا ( تونا ) ويُستخدم طعاما للحيوانات أو في بعض أعمال البناء من الطين ،اما الثاني فهو تبن دقيق ويسمى محليا ( دكثا ) وكانت  النساء يستعملنها في تبييض جدران الدور السكنية بخلطها مع التراب الابيض وعلى شكل محلول .
وتبدأ مرحلة نقل المنتوج الى الدار ،ويتم ذلك بتعبئة الحبوب باكياس مصنوعة محليا تسمى ( جوالي ) وتنقل بواسطة الحيوانات ويتم خزنها سابقا في( كواراثة) عبارة عن خزان على شكل صندوق طويل مبني من الطين يشبه الثلاجات الحديثة مفتوح من الاعلى لتعبئة الحبوب وفيه فتحة في الاسفل جانبيا تُفتح عندما يُراد افراغ الحبوب . يحتفظ الاهالي بالمنتوج فيها لحين البدء لتحويلها الى المواد الغذائية ، – ساطرق اليها لاحقا – وأما التبن فهو الاخر يُنقل الى الدور بواسطة أكياس كبيرة ،ويحُفظ في الطابق الاسفل من الدار المخصص للحيوانات ،ويكون طعاما شتويا لهم .
وتدريجيا تقلصت زراعة المحاصيل الشتوية لاسباب متعددة ،منها تقلص عدد الاهالي العاملين في الزراعة لهجرتهم أو تقليدهم مهن أخرى تجارية أو وظيفية بعد تطور التعليم والاقبال  الكبير عليه . ولما كانت زراعة مثل هذه المحاصيل تعتمد على أفراد الاسرة جميعا ، بينما بعد الهجرة وانتقال الشباب الى المدينة لم تستطيع الاسرة الصغيرة من زراعتها . اضافة الى الظروف الامنية في المنطقة ،حيث مرت المنطقة بفترات فقدان الامان ، وبما أن الاراضي الخاصة لزراعة هذه المحاصيل كانت بعيدة شيئا ما عن القرية فاضطر الاهالي الى ترك زراعتها ، وقد تم استشهاد العديد من أهالي منكيش في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وهم في حقولهم الزراعية – كما سابين ذلك لاحقا -. ..

شاهد أيضاً

“حنا جهاد عيسى” كاهن جديد لمنكيش الجمال والعطاء

د. عبدالله مرقس رابي ” حنا جهاد عيسى “ كاهن جديد لمنكيش الجمال والعطاء   …

500
  Subscribe  
نبّهني عن