آراء متنوعة

لم تسقط حروف القعقاع وإن سقط جسده

مهند محمود شوقي

مرت خمسة أيام على رحيله بعد سقوطه في فوهة بركان “حرضة دمت” الخامد في محافظة الضالع اليمنية.
كان القعقاع بن عنتر، أو كما عرفه الناس لاحقاً بـ”سبايدر مان اليمن”، رجلاً اعتاد أن يواجه الخطر بيديه وقدميه فقط. كان يهبط إلى أعماق الفوهة، يقدم عروضاً بهلوانية مدهشة، ويخط أسماء الزوار على الصخور القابعة في قعر البركان المطل على حفرة سحيقة تمتد عشرات الأمتار. هناك ترك حروفه الأخيرة قبل أن يغادر بحثاً عن رزق بسيط، أو عن شهرة ستكون له لكن بعد فوات الاوان ، فإذا به يتحول بعد رحيله إلى حديث العالم.
يبقى السؤال الذي حيّر كثيرين: كيف لرجل بلا أدوات تسلق، ولا وسائل حماية، أن يتشبث بالصخور بهذا القدر من الثقة؟ كيف كان يستند إلى يديه وقدميه فقط وهو يستعرض مهاراته على حافة الموت مرة بعد أخرى؟
لم أكن قد قرأت عنه من قبل، ولم أشاهد مقاطعه، بل إنه لم يكن مشهوراً بالقدر الذي يجعل اسمه يتصدر الأخبار. لكن الموت فعل ما لم تفعله سنوات من المغامرة. فجأة عرفه الجميع، وبدأت صوره تنتشر في كل مكان، لتخلد معها الحروف التي نقشها على الصخور والحركات التي كان يؤديها وهو يرقص فوق الخطر ويصارع الطبيعة بجسده وحده.
المفارقة المؤلمة أن الناس عرفوا القعقاع بعد وفاته، وأن الشهرة التي ربما كان يبحث عنها في حياته جاءت متأخرة، حتى كاد أن يصبح الخبر الأول في وسائل الإعلام، ولكن بعد فوات الأوان.
والأغرب من ذلك أن كثيرين تركوا الحديث عن تلك السنوات الخمس التي أمضاها راقصاً على حواف الموت بشكل شبه يومي، وانشغلوا فقط بتفسير أسباب سقوطه والبحث عن اللحظة التي انتهت فيها رحلته.
أما أنا فأرى الأمر بصورة مختلفة؛ لم يسقط القعقاع حقاً. ما زالت الحروف التي خطتها يداه تزين جدران فوهة حرضة دمت، وما زالت قصته شاهدة على رجل عاش بين الخوف والشجاعة، وبين المجهول والمستحيل، حتى صار جزءاً من المكان الذي أحبّه.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى