مقالات

قراءة أوراق دول البحيرات العظمى وتحديات الطريق نحو المستقبل

يأتي إنعقاد الإجتماع الأربعين للجنة الدعم الفني لإطار السلم والأمن والتعاون لدول منطقة البحيرات العظمى في ظرف إقليمي بالغ التعقيد، حيث تتشابك الأزمات الأمنية والسياسية والإقتصادية في عدد من دول الإقليم، الأمر الذي يجعل من هذا الإجتماع محطة مهمة في تقييم مسار التعاون المشترك وإستشراف آفاق المستقبل، وقد شكّلت مشاركة السودان في أعمال الإجتماع المنعقد بالعاصمة الكينية نيروبي خلال الفترة من 15 إلى 16 يونيو 2026م فرصة لعرض رؤيته مجددًا تجاه القضايا الإقليمية الراهنة، والتأكيد التام على إلتزامه بمبادئ إطار السلم والأمن والتعاون؛ حيث إستعرض الوفد السوداني التطورات الداخلية التي تشهدها البلاد في ظل الحرب المفروضة عليها، والتي إندلعت بسبب تمرد مليشيا الدعم السريع المدعومة من الخارج، موضحًا حجم الإنتهاكات التي تعرض لها المدنيون في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وغيرها من المناطق المحتلة أو المحاصرة، فضلًا عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية ومؤسسات الدولة المختلفة، ولم يقتصر الطرح السوداني على توصيف الأزمة، بل إمتد إلى التحذير من التداعيات الإقليمية لإستمرار النزاع وما يمكن أن يترتب عليه من تهديد للأمن والإستقرار في منطقة البحيرات العظمى والقرن الإفريقي ككل، خاصة في ظل تنامي ظواهر التهريب والهجرة القسرية وإنتشار السلاح وتجارة المخ*د*رات والج#ريم*ة المنظمة العابرة للحدود.

حرص الوفد على إبراز الجهود التي تبذلها حكومة السودان بشأن إستعادة الأمن والإستقرار وحماية المدنيين وإعادة بناء مؤسسات الدولة، حيث أشار إلى التقدم المحرز في عدد من الولايات، وعلى رأسها ولاية الخرطوم، من خلال إستعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة المواطنين إلى مناطقهم، وقد شهدت العاصمة، بعد تحريرها، إنعقاد أول إجتماع لمجلس السيادة الإنتقالي بكامل عضويته يوم 17 يونيو الجاري؛ كما أكد الوفد دعم السودان للمبادرات التي يقودها الإتحاد الإفريقي والشركاء الإقليميون والدوليون من أجل إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية مستدامة، وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن خارطة الطريق التي طرحتها الحكومة السودانية تمثل إطارًا عمليًا يهدف إلى تحقيق السلام والإستقرار عبر وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية وطنية شاملة، وهو ما أقرّه إجتماع مجلس السيادة الأخير، ويعكس هذا الموقف رغبة القيادة في معالجة الأزمة ضمن إطار يحفظ سيادة الدولة ووحدة أراضيها وكرامة شعبها، ويمنع أي محاولات لإضفاء الشرعية على الكيانات الار*ها*بية أو خلق مؤسسات موازية للدولة بأي بقعة وتحت أي لافتة في السودان، وهي قضايا حيوية ترتبط بصورة مباشرة بأهداف منظمة البحيرات العظمى الرامية إلى تعزيز الأمن والإستقرار ومنع نشوء بؤر جديدة للصراع في المنطقة.

تكتسب مداولات الإجتماع أهمية إضافية بالنظر إلى ما تضمنه البيان الختامي للقمة التاسعة لرؤساء دول البحيرات العظمى، المنعقدة في كينشاسا خلال نوفمبر 2025م، والذي دعا مجلس الأمن الدولي والإتحاد الإفريقي إلى إتخاذ مواقف أكثر وضوحًا تجاه الأزمة السودانية المستمرة؛ كما ناقشت الإجتماعات ملفات الأمن والدفاع في ظل التحديات الإقليمية والدولية، وقضايا المرأة والطفل والبيئة والتنمية الإجتماعية، إلى جانب بحث سبل الحد من حالة الإستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية، مثل المعادن بكل أنواعها، والتي كثيرًا ما تحولت إلى مصدر لتمويل الجماعات المسلحة والمتطرفة في الإقليم، وتدرك دول المنطقة التي عانت من الحروب أن الصراعات المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على الدعم العسكري المباشر، وإنما تستند كذلك إلى شبكات إقتصادية غير مشروعة تقوم على تهريب المعادن والموارد عبر الحدود إلى الأسواق غير الشرعية التي تُدار في الخفاء، ولذلك برزت الحاجة إلى تطوير آليات رقابية مشتركة، وتبادل المعلومات الأمنية، وتعزيز التنسيق بين الحكومات، ورفع مستوى التكامل الإقتصادي، بما يضمن حماية الثروات الوطنية وإستخدامها في مشاريع التنمية التي تقودها حكومات الدول بدلًا من تأجيج النزاعات المدمرة، وهو ما يمثل أحد المحاور الرئيسية في جهود بناء السلام المستدام داخل منظومة البحيرات العظمى.

يظل ميثاق الأمن والإستقرار والتنمية في منطقة البحيرات العظمى، الموقع عام 2006م، المرجعية الأساسية التي تستند إليها الدول الأعضاء في معالجة تحديات الحاضر وصياغة رؤى المستقبل؛ فالوثيقة تؤكد بوضوح إحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ومنع إستخدام أراضي أي دولة لشن أعمال عدائية ضد جيرانها، إلى جانب نزع سلاح الجماعات المسلحة وتعزيز الإدارة المشتركة للمناطق الحدودية، والمحافظة على الموارد؛ كما يمنح الميثاق إهتمامًا كبيرًا لقضايا الحقوق والحريات السياسية والمدنية، بما يجعل كرامة الإنسان وسلامته محورًا أساسيًا في التفكير الجماعي، فضلًا عن تمكين المرأة وحماية الأقليات من مختلف أشكال الإعتداء، ويربط الميثاق بين الأمن والتنمية باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، ومن هذا المنطلق فإن نجاح دول البحيرات العظمى في تجاوز أزماتها يتطلب إرادة سياسية حقيقية لترجمة المبادئ والشعارات إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ، وتطوير مشاريع مشتركة في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة والتجارة، فضلًا عن معالجة أوضاع اللاجئين والنازحين، وتقليل درجات الفقر وفقًا للإتفاقيات الإقليمية والدولية ذات الصلة، ولن يكون الطريق نحو المستقبل سهلًا، لكنه يظل ممكنًا إذا تمكنت دول الإقليم من تبديد مخاوفها، وإجتياز التحديات، وتحويل الأزمات المشتركة إلى فرص جديدة للتعاون والتكامل والتنمية المستدامة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى