شباب العراق ينتصرون للوطن والشعب في الرياضة والسياسة

لويس إقليمس

لويس إقليمس    

 

 

يشهد العالم أجمع للبطولات التي يسطرها شباب العراق هذه الأيام في ميادين الرياضة والسياسة  على السواء. في خليجي 24 المقامة على ملاعب الشقيقة قطر، تقدم أبطال العراق بفوزهم الساحق على فريقي قطر والإمارات العربية المتحدة ليقتربا من الفوز بالبطولة، ربما بلا منافسة متوقعة. وجاء الفوزان ليحركا مشاعر العراقيين جميعًا الذين كانت ترنو أبصارهم وعقولهم ومشاعرهم لتمتزج بمشاعر وجهود وقدرات اللاعبين الرياضية الفذّة النادرة الصادقة وهم يهدون الفوزين لشهداء الثورة التشرينية وجرحاها الذين سطروا هم أيضًا ومازالوا يحققون أروع ملاحم البطولة والإيثار وهم يفتحون صدورهم وأجسادهم الغضة حبًا بالوطن أمام أعداء الشعب الذين ارتضوا لأنفسهم الوقوف بالضدّ من مطالبهم المشروعة ومطالب الشعب الصابر الجريح منذ أكثر من 16 عامًا من الاستغلال والاستخفاف بعقول البسطاء منهم وبشتى أدوات التسويف والمماطلة والغدر وبيع الوطن والضمير للغريب الطامع بلا خجل ولا خوف من الله وعباده. فكانت رصاصات الغدر التي وجّهتها جهات غادرة لا تنتمي للوطن بمثابة سموم مضافة أخرى لما اقترفته أحزاب السلطة والحكومات الطائفية الفاشلة المتتابعة وموالوها وأتباعُها وذيول الجارة “الشقيقة” المترعة حقدًا وغلاّ وطمعًا بكلّ ما هو عراقيّ وعربيّ على السواء.  

جاء الفوز في الملاعب إيذانًا بقرب النصر الكبير في السياسة والمواطنة عبر الانتصار لوطن أثخن الأعداءُ في جراحاته وأشبعوه مهانة ومذلّة، وهم المدّعون طيلة السنوات المنصرمة من الحكم الطائفي منذ الاحتلال الأمريكي في 2003 ب”هيهات منّا المذلة”. لكنّ الواقع أثبت ذلّة الوطن والشعب معًا طيلة السنوات العقيمات الفائتات، تلك المتمرّغة بأطيان الفساد والإفساد وكلّ الغدر والموالاة للغير بسبب غياب حب الوطن والأمانة للشعب الخانع المساق كالقطيع  أولاً، وكذلك بسبب عدم وجود أية رغبة بالعمل من أجل إعادة بناء الحضارة وتنمية اابلاد وانتشال شعبها البائس ممّا آلت إليه أحوالُه من تراجع وتخلّف في كلّ شيء وفي كلّ ميدان بعد الغزو الأمريكي الغاشم.  

لحظات الفوز في الملاعب تزامنت مع اشتداد حراك ساحات الاعتصام الثائرة وميادين الثورة والاحتجاج البطولية التي أثبت فيها عموم الشعب، إلاّ الغادرون ممّن فقدوا سمة المواطنة وحب الوطن، انتماءهم الصادق لوطن الحضارات والثقافات وتعدّد الأديان والمذاهب والقوميات من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. فحينما سقط شهداء ذي قار والنجف والبصرة وبغداد والسماوة والديوانية برصاص الغدر والحقد والنفاق تناخى لهم أهل الشمال والغرب ليشدوا الأيادي معًا من أجل وطن بكت له الأم والزوجة والأخت والطفلة لتمتزج دموعهنّ بصراخات أبنائهن وهتافاتهم، شيبًا وشباببًا وأطفالاً، طلبة ومثقفين ورجال أعمال ونقابات وتجمعات دينية ومجتمعية وعشائر، من أجل عزة الوطن وعودة جبروته وشرفه وكرامته التي سلبتها أحزاب السلطة الموالية للغير الطامع من دون خجل ولا هوادة وبلا حسيب ولا رقيب.

لحظات الفوز في الملاعب، جاءت ناطقة لتقول للزمن الغادر الماكر: كفى استغلالاً.. كفى مماطلة.. كفى استهتارًا بحق شعبٍ أبيّ سُرقت بسمات الصغار منه واستغلّت عقول البسطاء من عامته بأعذار وحجج وتخريفات فرضها أصحاب العمائم ومَن في مزيتهم من المستغلّين والوعّاظ والانتهازيين تعميقًا لمكاسبهم وترسيخًا لمغانهم التي فرضوها بدعم من الأمريكي الغاشم الذي عمّق الهوة بين السلطة والشعب لغايات في نفس يعقوب. فالأجنبيّ المحتلّ، مهما قال ومهما صرّح ومهما فعل، لم ولا يمكن أن يصطفّ مع حقوق شعب مثل شعب العراق ووطن مثل العراق إلاّ لكونه يسبح على بحيرات من ثروات وخيرات يسيل لها اللعاب، والأكثر منه ما تتمتع تركيبتُن السكانية متعددة المكوّنات والأديان والمذاهب من لحمة تاريخية وتكافلية ومن طاقات بشرية وقدرات إبداعية أضحت في المقامات المتقدمة في دول العالم.

أول الغيث في انتصار ثورة تشرين السلمية

أمّا الفوز الثاني وأول الغيث في صفوف الشارع الثائر، فقد تناغم وترافق مع النصر الذي أحرزه الفريق الوطني لكرة القدم حين أعلن رئيس الوزراء المتلطخة أياديه ومَن معه في الحكومة المتهرّئة المنتمية لأحزاب السلطة، نيّته تقديم الاستقالة مباشرة بعد خطبة الجمعة وقبولها يوم الأحد من قبل مجلس النواب. فهل كان مثل هذا القرار المتأخر بحاجة لنصيحة ثالثة ورابعة وعاشرة من المرجعية الدينية التي حذرت ونبّهت لخطورة الوضع مرارًا وتكرارًا، ولكن من دون إنصات وحكمة وتعقّل من قبل أحزاب السلطة الفاسدة؟ وليعلمْ مَن في فكره وديدنه ورؤيته الضحلة ب”عودة حليمة إلى عادتها القديمة”، أي بإعادة تدوير وجوه ذات الأحزاب المتسلطة ومَن يواليهم ويسير في ركابهم، أنّ النصر السياسي الكامل هو الآخر قادم في قوادم الأيام بهمّة الغيارى من عموم أبناء الشعب وبنخوة كلّ مَن دغدغ الوطن ونشيدُه الملحمي مشاعرَه واصطفّ مع ثوار الساحات ومتسلّقي “جبل أحد” و”كراج الشهداء” رافعًا ألوانه وهاتفًا مهلّلاً “بالروح بالدم نفديك يا عراق!”. وعسى ألاّ يتأخرَ ركبُ هذا النصر!

في تشرين، قرّر العراقيون وبلا رجعة، التخلّص من  براثن الماضي السحيق الذي وُجد فيه أبناء الوطن الجريح بين أنياب ذئاب خاطفة لا تعرف الرحمة ولا المحبة ولا الضمير بسبب ابتلائهم أولاً بنفاق المحتل الأمريكي بحجة تخليص البلاد من الدكتاتورية. لكن هذا الأخير في حقيقة الأمر، كان قد قدّم العراق هدية جاهزة على طبقٍ من ذهب لعدوّ تاريخيّ حاقد وجدها خير مناسبة لاحتلال البلاد الجارة التي ناصبها العداء التاريخي قرونًا وليس سنوات قليلات. فكان حقًا أشبه باحتلال ثانٍ، ولكنْ تحت خيمة أمريكية ودولية تحت مسمّى إنقاذ الشعب من الدكتاتورية لحين استفاقة الشعب من غفوته نحو صحوة وطنية صحيحة.

لقد آن الأوان، ولو متأخرًا، لتغيير قواعد اللعبة وأدواتها، بعد أن فتحت الانتفاضة الجادّة بوابة المراجعة الشاملة للنظام السياسي الفاشل القائم وأنهتْ شرعيتَه بأوجهها وأدواتها المختلفة. فالخطوة الأولى تحققت باستقالة الحكومة بعد أن هزّت الانتفاضة أول كرسي مطلوب للشعب. ونأمل أن تليها الخطوات اللاحقة بتشكيل حكومة طوارئ انتقالية تضع الأسس المطلوبة لحلّ البرلمان بطريقة قانونية ودستورية قدر المستطاع. وإلاّ ففي حالة مماطلة أحزاب السلطة والسلطتين التشريعية والقضائية بوضع العراقيل وبالتسويف، فسيواجه جميعُ مَن في السلطة جبالاً صامدة من المعارضة الشعبية والإقليمية والدولية لغاية تحقيق الهدف المنشود. وسيكون  ومن واجبات هذه الحكومة المؤقتة “المصغرة” أن ترعى وتشرف على إعداد قانون مدنيّ جديد وعادل للانتخابات يضمن مطالب المحتجين ويُنهي سطوة الأحزاب الفاسدة تمامًا ويُصاغُ على أساس التنافس الفردي وليس بقوائم أو أنصاف قوائم كما تسعى إلى ذلك أحزاب السلطة في مقترحاتها هذه الأيام. ولا بدّ لهذا القانون العادل أن يضمن حرية المرشح والناخب معًا عبر اشتراط استبعاد أحزاب السلطة لفترة يتفق عليها كي يزول تأثيرُها السلبي على مسار الأمور ولغرض امتصاص نقمة الشعب المتصاعدة. وحبذا لو يتم عرضه على الاستفتاء الشعبي كي يتحقق الشعب من تضمين جميع مطالبه كاملة بحيث يكون بعيدًا عن أية تأثيرات دينية أو مذهبية أو طائفية وخاليًا من أية نعرة طائفية أو قومية ويحقق العدالة والفرص المتكافئة للجميع. وهذا يتطلب بطبيعة الحال، تشكيل مفوضية مستقلة جديدة للانتخابات من نخب وطنية ترعى في عملها تحقيق العدالة والمساواة في هذه الفترة الانتقالية وبإشراف دولي وفقهاء في الدستور والقانون والتشريع وتشارك فيه نخب ثقافية وأكاديمية ونقابية وأصحاب خبرة والأهمّ ممثلون عن الانتفاضة الشبابية اصحاب الفضل الأول في التغيير. وسيتولى البرلمان الجديد عملية صحيحة وهادئة وحكيمة لإعادة كتابة دستور مدنيّ وطنيّ جديد للبلاد يساهم فيه الفائزون الجدد في المجلس الجديد وفقهاء في القانون الدولي ومحامون ومدنيون أصحاب خبرة في التشريع ونقابات ورجال فكر ومثقفون بعيدًا عن أية أيدويلوجية دينية أو جهة إقليمية أو دولية أو فئة حزبية.

عسى أن يتواصل الحراك الشعبي في الساحات والدوائر والمنابر الثقافية والإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي حتى إسقاط العملية السياسية كاملة وتغيير النظام السياسي الفاشل من أساسه ليعرف كلّ ذي حقٍّ حقَّه وينال كلّ مذنب وفاسد وذيل خسيس عقابه. فتعود البسمة على شفاه الأطفال وتنتصر التربية والتعليم الصحيحان في المدارس والمعاهد والجامعات وتعود ماكنة الصناعة للدوران وتُحرث الأرض التي جدبتْ لتثمر ثلاثين وستين ومئة لكلّ غلّة، وتكتحلَ عيون الأرامل والثكالى برؤية وطنٍ شامخ تحرّرَ من دنس الفاسدين والطامعين بدماء شهدائهم الزكية وصمود أبنائهم الأبطال بوجه الظلم والغدر والفساد. ونقول: لا ثمّ لا ثمّ لا لتدوير نفايات النظام السياسي القائم في أي تعديل وزاري مرتقب يسعى لتأبيد وإعادة أنتاج ذات الأدوات الفاسدة في القانون الانتخابيّ المقترحفي أروقة البرلمان وبين دهاليز الأحزاب الفاسدة التي تسعى بأيّ شكلٍ من الأشكال إدامة نزواتها الفاسدة والإبقاء على مغانمها ومكاسبها الإقطاعية التي حرصت على تضمينها في اجتماع الكتل السياسية الوارد في وثيقة “اللاّشرف”. وحذار حذار من محاولة السلطة التشريعية إقحام شخصيات من أحزاب السلطة ومن نتاجها في الترشيح لمنصب رئاسة الوزراء، كما تشير المداولات الراهنة. وحتى الشخصيات المقترحة حاليًا من صفوف القضاء كما يروّج لها، لن تكون بمأمنٍ عن معارضة الشعب. فالقضاء نفسُه كان ومازال خجولاً في فتح ملفات حيتان الفساد الذين يخشى الاقتراب منهم، وهو أدرى بهم جميعًا. فالخط الثاني والأول منها، مازال طليقًا وخارج الصيد بسبب فساد الأدوات والخوف من سطوته وتهديد مَن يستقوي بهم في الدولة العميقة.

 عاش العراق. عاش العراق. عاش العراق وطنًا مستقلاً جميلاً وشعبًا كريمًا متكافلاً.

شاهد أيضاً

لويس إقليمس

نريدُ العراق دولة مواطنة، لا دولة مكونات وأحزاب

لويس إقليمس       نريدُ العراق دولة مواطنة، لا دولة مكونات وأحزاب بغداد، في 26 …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن