بداية العلاقة بين كنيسة المشرق وبابا روما عام 1288

الكاتب: وردا اسحاق

 

بداية العلاقة بين كنيسة المشرق و بابا روما عام 1288

بقلم / وردا أسحاق قلّو
وندزور – كندا

 

الكنيسة التي أسسها يسوع هي كنيسة واحدة موحدة في الجسد والروح ، ولها رب واحد هو رأسها ، وأيمان واحد ، ومعمودية واحدة ( أف 4:4-5 ) وبهذا تعترف كل الكنائس التي تتلو قانون الأيمان النيقي . الشيطان وحده هو عدو الكنيسة ، وهو الذي يحرك بعض الرؤساء وكبار اللاهوتيين بزرع الهرطقات في عقولهم من أجل تقسيم كنيسة الرب . أما الرب يسوع فأسسها واحدة ، ويريد أن تحافظ على وحدتها ، فطلب من الله الآب بأن يحفظ جميع المؤمنين به في كيانٍ واحد موحد ، فقال ( لا أدعو لهم وحدهم بل أدعوا أيضاً للذين يؤمنون بي عن كلامهم فليكونوا جميعهم واحداً كما أنك فيّ ، يا أبتِ ، وأنا فيك فليكونوا هم أيضاً فينا ليؤمن العالم بأنك أنت أرسلتني ) ” يو 17: 20-21 ” . فالكنيسة يجب أن تكون واحدة ، لأنها جسد واحد ، ورأس هذا الجسد هو الرب يسوع وحده ( طالع أف5 ) .
علينا الآن أن نبحث عن وحدة كنيسة المشرق المنشطرة إلى عدة كنائس وبطريركيات ، وعقائد . وعن السبل الكفيلة لوحدتها مع بعضها أولاً ، ومع كنيسة روما  ثانياً .

نقرأ في تاريخ كنيستنا المشرقية بأن أول

أتصال بين الكنيستين ( كنيسة المشرق والكنيسة الكاثوليكية في روما ) كان قبل زيارة البطريرك مار يوحنا سولاقا الى روما مع بعض رجال الأكليروس الذين عارضوا سياسة توريث كرسي البطركية في كنيسة المشرق في بلاد النهرين ، والذي تولى كرسي البطريركية في فترة ما بين ( 1553-1555) وأختيل في العمادية بسبب معارضيه الذين أنشق من كنيستهم ليصبح أول شهيد في كنيسة المشرق الكاثوليكية . 
فمتى كان أول أتصال بين الكنيستين الشرقية والغربية ؟ كانت كنيسة المشرق مستقلة عن باقي الكنائس الواقعة الى الغرب من بلاد النهرين ، وخاصة عن كنيسة روما البعيدة ، وذلك لموقعها الجغرافي والسياسي لأن بلاد ما بين النهرين التي كان فيها كرسي البطريرك الذي كان يقود كل كنائس بلدان المشرق وصولاً الى الصين كان يحكم أرض بلاد النهرين وبلاد فارس منذ بداية المسيحية حكومة الأمبراطورية الفارسية التي كانت تعادي الأمبراطورية الرومانية ، فكانت حدود بلاد النهرين الغربية الحد الفاصل بين الأمبراطوريتين ، فالسلطات الفارسية تعتبر كل علاقة بين الكنيستين تعاون مع الطرف المعادي . وبعد مجيء الأسلام أستمرت العلاقات المقطوعة الى زمن الجاثاليق مار يابالاها في زمن هولاكو وعائلته ، فبدا بأرسال أول مبعوث الى بابا روما في أيفاد خاص من قبل الملك المغولي أرغون الذي أراد تحرير الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين لصالحه ولمصلحة المسيحيين الذي كان يسندهم في فترة ولايته . البطريرك مار يابالاها القادم من بلاد الصين والمرسوم بطريرك على كرسي كنيسة المشرق في بلاد النهرين أنتهز تلك الفرصة التاريخية الثمينة لكي يقترب من  الكرسي البابوي ومن ثم توحيد الكنيستين . أختيرالأب الراهب برصوما صديق البطريرك القادم معه من الصين وأصلهم من مدينة بكين  . أستجاب الراهب برصوما لهذا الطلب ، وقال : أنا مشتاق جداً لمثل هذه المهمة وراغبها . فكتب الملك أرغون رسائل ووصايا ومراسيم أمبراطورية للملوك الغرب والى بابا روما . أضافة إلى رسائل البطريرك ما يابالاها الى البابا . 
وصل الراهب برصوما الى روما في سنة وفاة البابا هونوريوس الرابع الذي توفي في 3 نيسان 1287 م ، فأخذ صوما يتجول مع الوفد المرافق له في بلدان أوربا لمقابلة ملوكها مع تزويدهم بالرسائل التي ارسلت لهم من قبل الملك أرغون ملك المغول ومن الجاثاليق مار يابالاها ، فأستقبلوه في روما أثنا عشر كاردينالاً وسألوه عن بلاده وعن الغاية من زيارته ، وعن الرسل الذين بشروا بلاده بالمسيحية ، وعلى مذهبه . بعد الأجابة طلبوا منه بأن يعرض لهم صورة عن أيمانه ومعتقده ، فقال لهم : ( أؤمن بإله واحد غير منظور ، أزلي ، لا بداية له ولا نهاية ، الآب والأبن والروح القدس . ثلاثة أقانيم متساوية وغير منفصلة ، لا يوجد بينهم من هو الأقدم ولا الآخر . لا طفل ولا شيخ . وهم في طبيعة واحدة وجوهر واحد ، ، بثلاثة أقانيم ، الآب الوالد ، أبن مولود ، وروح منبثق . وفي ملء الزمان . واحد من الأقانيم الثالوث الأقدس ، الأبن ، لبس أنساناً كاملاً ، يسوع المسيح أبن مريم البتول القديسة ، وأتحد به فأصبح شخصاً واحداً ، وبه خلص العالمين بلاهوته الأزلي من الآب ، وفي ناسوته الزمني ولد من مريم . إتحاد لا ينفصل ولا يتجزأ مدى الدهور . إتحاد غير ممزوج ولا مخلوط ولا مركب . وإن هذا الإبن المتحد هو إله كامل ، وإنسان كامل بطبيعتين وإقنومين ، شخص واحد ) .
بعدها جرت محاورة بينهما عن الأيمان فلم يقتنعوا بكل أجاباته لأنه لم يكن يعرف بما ورد في بعض المجامع المسكونية بدقة ، لكنهم أحترموه لفصاحة كلامه . في شباط من سنة 1288م أنتخب البابا نيقولا الرابع على كرسي مار بطرس فأرسل مطراناً وجمعاً غفيراً لأستقبال الربان صوما القادم من البلدان الأوربية بعد زيارته لها مع الوفد المرافق له . بعد أيام أذن له البابا بأقامة ذبيحة ألهية ليشاهد كيف تكرس الأسرار المقدسة لدى كنيسة المشرق . فلما رأوا ذلك أغتبطوا وقالوا : أن اللغة فقط هي المختلفة ، أما الطقوس فهي واحدة ، وكان ذلك اليوم الأحد السادس بعد الصوم الكبير . وبعد ذلك أعترف عند قداسة البابا ، وتناول القربان من يد البابا نيقولا الرابع ، ونال مغفرة الخطايا . أرسل قداسة البابا نيقولا الرابع هدايا كثيرة إلى البطريرك مار يابالاها منها التاج والخاتم وبدلة القداس وغيرها .
بعد هذه الزيارة استمر تبادل الرسائل بين البابا ومار يابالاها ، كما أرسل البابا عدداً من الرهبان الفرنسيكان ولأول مرة الى كنيسة المشرق لتبدأ العلاقات بين الكنيستين نحو الوحدة ، حيث بدأت تلك الوفود البابوية تثقف الأكليروس في كنيسة المشرق التي سمعت روما بوجوها مؤخراً ، فبدأت ثمار روحية تكبر وتنمو . وهكذا استمرت المراسلات في زمن البابا اللاحق مار بندكتس الحادي عشر التي حملها له الأخ يعقوب الدومنيكي سنة 1304م . وهذا جزء من نص رسالة البطريرك مار يابالاها الى قداسة البابا :
بسم الأب والأبن والروح القدس
الى الأب الأقدس مار بندكتس

من يابالاها الغريب القادم من بلاد بعيدة ، الذي بنعمة ربنا يسوع المسيح أختير ليكون جاثليقاً وبطريركاً للمشرق كله ، راجياً قداستكم منحنا بركاتكم ومحبتكم ، وينحني أمامكم بسلام متواضع بمراحم ربنا يسوع المسيح.
الى الأب الممتلىء قداسة ، والصالح المملوء من الهبات الروحانية ، الى وكيل ربنا يسوع المسيح ورئيس الديانة المسيحية ، والجالس على كرسي الطوباوي بطرس الرسول راعينا ورئيسنا . الى أب الآباء ، الى ملك الملوك الفائق القداسة ، البابا بندكتس ، الذي ألبسه الله بدلة القداسة والوقار والهيبة ليحفظ الله بصلواتكم ، من الأضرار والضيقات والأضطهاد جميع الذين اقتبلوا رمز الصليب وسموا به بين أعينهم . تعلم قداستكم بأن الراهب المؤمن والقديس يعقوب من جمعية القديس عبدالأحد ، سدد الله خطاه في الطريق التي اختارها ، وليثبته فيها ، قد اتانا وأعلمنا بأن الله الكلي القدرة ، الذي وهب قداستكم أعانه الله وحفظه ، النعمة التي هي أكبر من كل النعم والتي هي الكرسي الأول والعرش الرسولي ، أي أب عام لكل المطارين الذي درجته البابوية هي فوق كل الدرجات التي في الكنيسة الرسولية الكاثوليكية . هذا هو أيماننا بيسوع ربنا ، إذ نؤمن بأنه إله كامل وإنسان كامل بشخص واحد . كامل بالآب وكامل بوالدته ، نؤمن بأن مريم أمنا هي قديسة بتول حبلت وولدت إلهنا وربنا يسوع المسيح الأنسان الكامل والمتحد بإله كامل …. إلخ .

وكانت العلاقات في عهد مار يابالاها بين الكنيستين اللاتينية والنسطورية وكأنها واحدة . وفي تلك الرسائل يعترف البطريرك بسلطة البابا ، والبابا بسلطة الجاثاليق . وهكذا بيَّنَ البطريرك النسطوري عن رغبته في الوحدة وبكل صراحة . كما أرسل رسالة أخرى الى البابا بندكتس عام 1304 م عثر عليها الكاردينال تيسران في خزانة ( أرشيف ) الفاتيكان وفيها يوافق مار يابالاها الثالث على مقترحات الأتحاد بين الكنيستين ويبرز فيها قانون أيمانه الكاثوليكي ، وقد أملأه عليه من دون ريب يعقوب ده آرلس سود تيش رئيس دير مراغا ، مع ذلك يعترف البطريرك وبصراحة بضعف سلطته على أساقفته ليجتذبهم الى الأتحاد ، رغم جهوده ، يرفض النساطرة في أغلبيتها الأنضمام الى الكنيسة الكاثوليكية ، وهذا ما يحصل اليوم أيضاً ، بأن المشكلة ليست في البطريرك ، بل في الأساقفة المعارضين لهذه الوحدة .  
أعمال المجمع الذي عقده مار طيمثاوس الثاني الذي خلف مار يابالاها في عام 1318م تشجب المجمع جميع الأتصالات التي جرت بين الكنيستين . وهكذا أسدل الستار للأسف الشديد على كل ما تم أنجازه نتيجة تلك الأتصالات والتي كان يأمل بها مار يابالاها التقرب من روما وتوحيد الكنيستين  فقطعت العلاقة من قبل البطريرك مار طيمثاوس الثاني وأنقطعت المراسلات وكل الأتصالات فاجهضت كل تلك المحاولات التي كان يأمل به سلفه التقرب من كنيسة روما من أجل توحيد كنيسة الرب يسوع . والى زمن مجىء البطريرك مار يوحنا سولاقا الذي تحدى المعارضين لكي يوحد كنيسة المشرق مع كنيسة روما ونال أكليل الشهادة بسبب تلك الوحدة  .
 كما حاول البطريرك مار نخا الرابع لتوحيد الجزء الباقي من كنيسة المشرق مع الكنيسة الكاثوليكية في عهد بطريرك الكنيسة الكلدانية مار روفائيل بيداويد فقابل بابا روما وتم الأتفاق على معظم البنود الرئيسة لكن أيضاً أجهض ذلك الأتفاق من قبل معارضين من تلك الكنيسة رغم رغبة بطريركهم في تلك الفترة للوحدة قائلاً بأن المسيح يريد ان تكون كنيسته واحدة. أما في زمن البطريرك مار لويس ساكو الذي حاول منذ أول سنة لجلوسه على كرسي البطريركية الكلدانية بأن يكون موضوع توحيد كنيسة المشرق في مقدمة أعماله فذهب الى الجاثاليق مار دنخا الرابع مع وفد من المطارنة الى شيكاغو لتنشيط تلك العلاقة التي بدأوا بها من أجل وحدة الكنيسة وحتى وإن كلفته تلك الوحدة النزول من عرش البطريركية ، لكن للأسف طلب منه توحيد القومية أولاً ، وهذا الشرط لاعلاقة له بالأيمان ، علماً في كنيسة المشرق الآشورية مؤمنين من قوميات أخرى كالهنود . أجل هذا ما طرحه أحد مطارنة مار دنخا . وهكذا كان مار يابالاها أيضاً يعاني من بعض أساقفته ، فقد أعترف بكل صراحة بضعف سلطته على أساقفته ليجتذبهم الى الأتحاد رغم جهوده . وتبين لاحقاً بأن أحد معارضيه كان خلفه مار طيمثاوس الثاني .
وهذه الأيام أيضاً بدأ الحديث ومحاولات التقارب بين الكنيستين الشقيقيتين الكلدانية والآشورية بتجديد المحاولات من أجل كنيسة مشرقية واحدة أولاً ومن ثم توحيدها مع كنيسة الغرب . فنقرأ هذه الأيام عن تجديد البطريرك مار لويس ساكو لمحاولة التقارب والوحدة التي باتت ضرورية للحفاظ على كياننا اليوم ، فاستغل مناسبة ذكرى ال ( 700 ) لوفاة اللاهوتي المشرقي الكبير ( عبديشوع الصوباوي النصيبيني ) لكي يدفع عجلة الوحدة نحو الأمام مع كل أطياف كنيسة المشرق . للمزيد طالع هذا الرابط.

http://saint-adday.com/?p=26604&fbclid=IwAR2Rm4wfmIo6nin-VXDC9gopHIDNEG5mVse_hTCFJQ59wOqjZ01oxYX0bxY
كذلك الجاثليق مار كيوركيس صليو الثالث بطريرك كنيسة المشرق الآشورية بدوره زار قداسة البابا فرنسيس في الفاتيكان وألتقيا يوم الجمعة 9 تشرين الثاني 2018 على مائدة واحدة في القصر الرسولي في الفاتيكان ، وأشار إلى عمل اللجان المشتركة بين الطرفين من أجل التخطي نحو الوحدة ،  وسبق وأن ألتقيا قبل عامين أيضاً . للمزيد طالع الرابط التالي
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=913052.0

نطلب بصلواتنا المرفوعة كل عام من أجل الوحدة ، أن تتوحد كنيسة المشرق وكل الكنائس في العالم لتصبح كنيسة واحدة ، وهكذا يتم الفرح في السماء والأرض ويتمجد أسم الرب يسوع . 
 
المصادر
1-   تاريخ كنيسة المشرق للأب د. يوسف حبي
2-   تاريخ كنيسة المشرق للأب ألبير ابونا
3-   تاريخ مار يابالاها الثالث الجاثاليق والربان صوما . تعريب الشماس خيري فومية
4-   رسالة البطريرك مار ساكو التالية 

http://saint-adday.com/?p=26604&fbclid=IwAR2Rm4wfmIo6nin-VXDC9gopHIDNEG5mVse_hTCFJQ59wOqjZ01oxYX0bxY
5-   لقاء قداسة البابا مار فرنسيس مع الجاثليق مار كيوركيس الثالث بطريرك كنيسة المشرق الآشورية .
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=913052.0

 

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا

شاهد أيضاً

تاملات يومية الاسبوع الثالث والرابع موسى

الشماس سمير كاكوز   تاملات يومية الاسبوع الثالث والرابع موسى الاسبوع الثالث الاحد قال الرب …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن