الشرق الأوسط الجديد بمنظور الأرشاد البابوي

الكاتب: مشرف المنتدى الديني

الشرق الأوسط الجديد بمنظور الأرشاد البابوي

نافع البرواري

كثر الكلام عن خارطة الشرق الأوسط الجديد بالمفهوم السياسي ، وكتب الكثيرون عن مشروع الشرق الأوسط الجديد سواء كان سلبيا او أيجابيا لتغيير الشرق ألأوسط وكان احد نتائج هذا التغيير(كما يقولون) هو  الثورات العربية التي اطلق عليها ما يسمّى ب “الربيع العربي “.
ولكن في هذه المقالة سنتطرق الى نظرة الكنيسة الكاثولوكية  (بالتعاون مع بقية كنائس الشرق ألأوسط) كما جاء في الأرشاد الرسولي الذي وقعّ عليه قداسة البابا بيندكتس السادس  عشر في لبنان بعد زيارته الرسولوية (14 – 16  ايلول الجاري)  في ما تريد تحقيقه في الشرق  ألأوسط بالأستناد على نتائج ما تمخّض منه مجمع سينودس الشرق ألأوسط .

كان انعقاد سينودس اساقفة الشرق الأوسط في تشرين الأول 2010 بدعوة من الحبر ألأعظم ، قداسة البابا بيندكتس السادس عشر ، والذي حمل عنوان “الكنيسة الكاثوليكية في الشرق ألأوسط ، شركة وشهادة ”  وقد خرج السينودس ب 44 مقترح نهائي. وقد وقع البابا على “الأرشاد الرسولي”  في يوم 14 ايلول الجاري وهو اليوم الأول من زيارته للبنان ، وهذا ألأرشاد الرسولي هو مستوحي من توصيات السينودوس حول الشرق ألأوسط ومناقشاته .
يمكن أن نعتبر  الأرشاد الرسولي كخارطة لرسم شرق اوسط جديد ينعم بالأمان والسلام والحرية والمساوات والعدالة والأستقرار والشراكة والمشاركة بين جميع العقائد والأديان والطوائف والقوميات .
فالأرشاد الرسولي هو بمثابة خارطة الطريق يمكن لمسيحيي الشرق الأوسط ( وحتى جميع الدول العربية ) أن تسترشد به لكي يكون دستورا لها لكي تعيش شعوبها في سلام وحرية وأمان ، مهما كانت أنتماءاتهم  ومعتقداتهم  سواء كانوا مسيحيين او مسلمين ، عربا أو غير قوميات ، شيعة وسنة ، وخاصة في هذه الأيام التي تشهد بلدان الشرق الأوسط الكثير من التغييرات الدراماتيكية  حيث ثارت شعوب هذه البلدان ، ضد انضمتها الدكتاتورية القمعية  ،  ونتيجة ذلك حدث فراغ أمني وانهيار السلطة .  فغاب القانون ، لا بل حدثت اضطرابات وحروب دموية كما حدث في العراق ومصر وليبيا  واليمن وكما يحدث في سوريا هذه الأيام . كذلك  أُرتكتبت وترتكب الكثير من الجرائم  والعنف بحق الأبرياء والمدنيين ، وانّ  الضحيّة الأولى نتيجة ذلك هم المسيحيين بسبب كونهم  شعوب مسالمة لا تؤمن بالعنف والفعل ورد الفعل . وهكذا  هاجر الكثير منهم (وخاصة من  العراق وكذلك ما نسمع من هجرة المسيحيين من سوريا  في هذه الأيام ) نتيجة الفلتان ألأمني والعنف الناتج من التعصب الديني والطائفي .

على ضوء كُلِّ هذه الأحداث التي شهدها الشرق الأوسط وبسبب الأضطهادات بحق المسيحيين في هذه الدول والهجرة الغير المسبوقة للمسيحيين من المنطقة وخاصة في العراق بعد سقوط بغداد سنة 2003 ، ولكون قداسة البابا ، راعي الكنيسة الكاثوليكية في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين ، والأردن  فكان من  أولى  واجباته هو ألأهتمام برعيته والبحث عن السبل الكفيلة للتخفيف من آلامهم ومصائبهم والتدخل لوقف نزيف هجرتهم من اوطانهم  التي منها انطلق ألأيمان المسيحي وكانت هذه الدول شعاع نور للعالم كُلّه حيث من هذه الدول انطلق الرسل الأولون وفي هذه ألأراضي بنيت الكنائس ألأولى في العالم ومن ارض بين النهرين وبلاد الشام انطلق بشرى الخلاص لجميع الأمم .

كان أهم اهداف انعقاد سينودس أساقفة الشرق ألأوسط  هو لبحث السبل الكفيلة للمحافظة على سلامة المسيحيين والتخفيف من آلامهم  ووضع حد لنزيف الهجرة من هذا الشرق .

وقبل أن نخوض في أهم التوصيات في الأرشاد الرسولي  علينا ان نتوقف على بعض ما قاله البابا قبل وخلال زيارته للبنان ، وهي  أقوال علينا التأمل فيها  نحن مسيحيي هذا الشرق لكي تكون لنا نبراسا واطارا عاما للعمل به في السنوات المقبلة .

دعا البابا (بحضور الصحفيين الذين رافقوه على متن الطائرة ، التي أقلَّته من مطار عسكري في ايطاليا الى بيروت ) دول “الربيع العربي ” الى صرخة ايجابية من أجل الحرية على أن تتجلى بالتسامح .
كما عبّر عن إدانته للأصوليات وتزوير الدين، ومهمة الكنيسة والأديان هي تنقية نفسها ، وهذه المهمة يجب أن تظهر بوضوح ، انّ كل رجل هو صورة الله يجب أن نحترمها بالآخر . ورأى أن الرسالة ألأساسية للدين يجب أن تكون رفض العنف الذي هو تحريف ، مثله مثل ألأصولية  ، مشددا على ضرورة وقف واردات السلاح الى سوريا ، واصفا هذه الأمر بالخطيئة الكبرى .

وقد ابدى قداسة البابا ،ولأول مرة ، عن رأيه في الثورات العربية ، اي ما سميَّ ب “الربيع العربي” 
وتكلّم عن ايجابيات هذه الثورات ولكن ركّز ايضا على السلبيات التي قد تؤدي الى انحراف هذه الثورات، فاعتبر ان الانتفاضات في العالم العربي التي ادت الى الاطاحة بانظمة ديكتاتورية في تونس ومصر واليمن ايجابية.
واضاف: ان الربيع العربي امر ايجابي، رغبة بالمزيد من الديموقراطية والحرية والتعاون وبهوية عربية متجددة.
ان صرخة الحرية هذه الصادرة عن شباب متقدم اكثر ثقافيا ومهنيا، يرغب في المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية هي وعد وامر ايجابي جدا، وكانت موضع ترحيب تحديدا من قبلنا كمسيحيين.
وتابع قداسته  محذِّرا عن مخاطر الحريّات الغير المنضبطة والغير المسؤولة  قائلا : نعلم ان صرخة الحرية بمثل هذه الاهمية والايجابية تواجه مخاطر لجهة ان تغفل شقا جوهريا من الحرية وهو التسامح مع الاخر. علينا ان نقوم بكل شيء لكي يذهب مفهوم الحرية في الاتجاه الصحيح.
وعن تجديد مفهوم العيش المشترك والحوار بين ألأغلبية والأقلية  ، قال قداسته  :
“ان الكرامة العربية المتجددة تعني تجديد مفهوم العيش معا وتسامح الغالبية والاقلية ، الحرية يجب ان تتواكب مع حوار اشمل، وليس هيمنة طرف على الاخر.

ثم ألقى قداسة البابا كلمة باللغة الفرنسية( للوفود والمستقبلين من الأساقفة  بعد وصوله الى لبنان في قاعة استقبال في مطار حريري الدولي ) حرص خلالها على إدخال عبارتي “سلامي أعطيكم” و”يبارككم الله جميعاً” باللغة العربية  ….واضافة قائلا : “…وأنا أتعاطف مع الأحداث المؤلمة التي عاشها بلدكم(يقصد لبنان) في السنوات الماضية والأحداث التي عصفت في الشرق الأوسط .
وقد ركَّز قداسة البابا الحالي( والسابق )على لبنان كونه رسالة و نموذج فريد للتعايش بين مختلف الأديان والعقائد والقوميات العرقية ، وهو نموذج يصلح لكي يكون جسرا للتفاهم والحوار والأنفتاح والسلام بين الشرق ألأوسط (بكونه ذو غالبية مسلمة) وبين الغرب (الذي يستمد ثقافته من الجذور المسيحية ) لا بل نموذجا للعالم كُلِه .  وبهذا الخصوص يضيف البابا فيقول :
“برهنتم ا(أنتم اللبنانيين ) انه في هذه الأمة الصغيرة هناك تآخٍ وتوافق بين الكنائس المختلفة وهذا ضمن الروح الأخوية في الكنيسة الكاثوليكية. وفي الوقت نفسه، برهنتم عن الحوار والتآخي بين المسيحيين والطوائف الأخرى. وانتم تعرفون ان هذا التوازن هو توازن حسّاس جداً وهو إذا ما اختل يؤدي بنا الى ضغوط ليست ضغوطاً ضمن إطار التناغم، وهنا يجب ان نبدي حكمة عالية واعتدالاً عالياً. ويجب ان نبذل الجهود من أجل تأمين الخير للجميع. والحكمة هي أهم الصفات في هذا الإطار، لذلك نطلب من الله ان يعطيكم قلوباً حكيمة وذكية. وأعبر عن أهمية وجود الله في حياة كل واحد منكم وكيف ان طريقة العيش سوياً، وهذا الأخاء هو من الميزات الضرورية الموجودة في بلادكم. وهذه المبادئ ترتكز على سلوك الاهتمام بالآخر، وحب الآخر، والرغبة بوجود الأخوة بين الجميع.
إن هذا التوازن اللبناني الشهير ناجم عن الإرادة الجيدة وعن إلتزام كل اللبنانيين، وعندما يتوفّر ذلك قد ينتشر هذا التوازن في المنطقة لا بل في العالم.   وهنا لا نتحدث فقط عن العمل الإنساني، انه عمل إلهي، حيث يجب ان نطلب من الله بثبات وبلا كلل ان يحافظ هذا التوازن.       
كما قلنا ان العلاقة بين الكرسي الرسولي ولبنان تضرب في الأعماق، وجئت الى لبنان كصديق لله وصديق للبشر “سلامي أعطيكم”.
وأصلي ايضاً من أجل كل بلدان الشرق الأوسط لإحلال السلام كصديق للسلام ولله وللسكان كل بلدان المنطقة مهما كانت انتماءاتهم ومهما كانت معتقداتهم.
        
وفي احتفال رسمي بتوقيع “ألأرشاد الرسولي من أجل الشرق ألأوسط ”  يوم السبت 15 -9 – 2012 ، دعى البابا المدعويين الى ألأحتفال بانتصار التسامح على ألأنتقام والوحدة على  ألأنقسام واضاف قائلا :
“اننا مدعوون هنا والان الى الاحتفال بانتصار الحب على الكراهية، والتسامح على الانتقام، والخدمة على السيطرة،والتواضع على الكبرياء والوحدة على ألأنقسام . وقال في ضوء احتفالنا اليوم ، ونظرا للتطبيق المثمر للارشاد احضكم جميعا ان لا تخافوا وان تمسكوا بالحقيقة ونقاوة الايمان”. وشدد على ان كنائس الشرق ألأوسط لا تخاف لأنَّ الرب معها حتى النهاية .
 وكان البابا دعا  ،من مقر الرئاسة اللبنانية في بعبدا شرق بيروت ، حيث التقى المسؤولين الرسميين والدينيين، المسؤولين الى صنع السلام. وقال “ايها السياسيون والدبلوماسيون ورجالات الدين، ويا رجال ونساء عالم الثقافة، أدعوكم (…) ان تشهدوا بشجاعة… وبالرغم من العراقيل المحيطة بكم، ان الله يريد السلام”.
واشار الى ان “الواجب الأول لفتح مستقبل سلام للأجيال القادمة، هو التربية على السلام لبناء “ثقافة سلام” التي تحتِّم حظر كل عنف شفوي أو جسدي”
وتابع “يقتضي ان نقول لا للثأر، أن نعترف بأخطائنا، ونقبل الاعذار بدون التماسها، وأخيرا أن نغفر. لأن وحدها المغفرة الممنوحة والمقبولة تضع الأساسات الدائمة للمصالحة وللسلام للجميع”.
وشدد على اهمية “الحرية الدينية”، “الحق الأساسي الذي تركن اليه الحقوق العديدة الاخرى. المجاهرة بالديانة وعيشها بحرية بدون أن يعرض الشخص حياته وحريته للخطر يجب أن يكون ممكنا للجميع”.
وجاء هذا الكلام في وقت تسود اضطرابات في المنطقة احتجاجا على فيلم مسيء للاسلام انتج في الولايات المتحدة.     
كما حيا البابا بنديكتوس السادس عشر السبت، في اليوم الثاني من زيارته الى لبنان، “شجاعة الشباب السوري”، مبديا تعاطفه مع احزان السوريين، وذلك بعد ان كان جدد دعوته الى التسامح والتعايش والحرية 
وقال البابا ، مساء السبت امام اكثر من 15 الف شاب وشابة تتراوح اعمارهم بين 17 و30 عاما تجمعوا في باحات مقر البطريركية المارونية في بكركي شمال بيروت ، “علمت ان بينكم شبابا قدموا من سوريا. اريد ان 
أقول لهم كم أنا معجب بشجاعتهم” . 
وتابع قائلا :” قولوا لعائلاتكم واصدقائكم أنَّ البابا لاينساكم . قولوا أنَّ البابا حزين بسبب إلامكم واحزانكم ، . إنَّه لاينسى سوريا في صلواته واهتماماته . لاينسى الشرق اوسطيون الذين يعانون ” .
واعتبر البابا انَّ “الوقت حان لكي يتحد المسيحيون والمسلمون من اجل وضع حد للعنف والحروب”
ودعا البابا شباب لبنان الى عدم الهجرة، مؤكدا انه يدرك الصعوبات التي يعانون منها من “نقص الاستقرار والامن وصعوبات الحصول على عمل والشعور بالوحدة او التهميش”
وطلب منهم ان لا تدفعهم هذه الصعوبات الى “تذوق مرارة الهجرة مع مغادرة الارض والانفصال نحو مستقبل غير واضح المعالم.
وعن دور الشباب في المجتمع والكنيسة ، قال البابا :
 بالنسبة اليكم يجب ان تكونوا صانعي المستقبل في بلدكم وان تقوموا بدوركم في المجتمع والكنيسة” .
وفي كلمة لقداسة البابا القاها في القداس الألهي ليوم الأحد ، وهو اليوم الأخير لزيارته  للبنان ، لخَّص قداسته حياة وسلوك المسيحي  الحقيقي بقوله : 
“أن نتبع المسيح يعني أن نحمل معه صليبه طوال هذا الدرب المزعج، هذا الدرب الذي يبعد عن القوة الأرضية والمجد الأرضي. هذا الدرب الذي يقودنا لنكران ذاتنا ولخسارة حياتنا من أجل المسيح ومن أجل الإنجيل لنحظى بالخلاص، فإننا واثقون من أنّ هذا الدرب يقودنا إلى القيامة والحياة الحقة والأكيدة مع الله
ختاما :
الأرشاد الرسولي لكنائس الشرق الأوسط ، كما يقول بطريرك طائفة الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث ، “هو موجه الى الكنيسة في الشرق الأوسط ولكن مضمونه ومحتواه وغايته موجه الى المشرق العربي بأسره إنطلاقا من لبنان…..إنّه شعار مسيحي – مسيحي  ، لكنه أيضا شعار مسيحي – اسلامي ، هو شعار يجب أن يعاش بتفاعل وتواصل مع أطياف هذه المنطقة وطوائفها ، إنَّه شركة وشهادة” .

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا

 

شاهد أيضاً

قصة الرواية الأولى لخلق العالم

الشماس سمير كاكوز          قصة الرواية الأولى لخلق العالم سفر التكوين الفصل …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن