الحركة الكشفية، جذورها وفاعليتُها الجزء الأول

لويس إقليمس     

 

الحركة الكشفية، جذورها وفاعليتُها

الجزء الأول

لويس إقليمس

بغداد، في أب 2018

شهدت مدينة ستراسبوغ الفرنسية بين 16-23 تموز 2018، تجمّعًا كشفيًا أوربيًا بمشاركة أكثر من 15000 من الكشافة (الطلائع والمرشدات) بأعمار مختلفة تتراوح بين 14-17 عامًا أو ما يزيد أو يقلّ عنها، قادمين من 29 بلدًا، وذلك منذ عقد من السنين بحسب ما أوردت مجلة الحياة الكاثوليكية Catholique La Vie ومواقع الكترونية أصدت لهذا الحدث الشبابي. كان التجمع حافلاً بالعديد من البرامج الثقافية والفنية والاجتماعية والدينية بهدف تقاسم الثقافات وتعلّم مواجهة التحديات والتشارك في القيم العليا والإنسانية والتربوية التي تحرّكهم، حاملين في جعبهم كومًا من الأحلام والتمنيات والطموحات. كما تخلّل التجمّع الكبير، سهرات وزيارة رسمية لوفد من 700 كشافٍ ومرشدة للبرلمان الأوربي، وورش عمل حول العديد من المواضيع الشبابية والدولية الراهنة التي تعزز من روح التعايش، ومنها ما يتطرق إلى ثقافة حقوق الإنسان وسمات التضامن والديمقراطية والبيئة والشبيبة والثقافة وغيرها، إضافة للمشاركة في مراسيم دينية من صلوات وقداديس أقيمت بالمناسبة. ومن هذا التجمع انطلق وفد شبابيّ للمشاركة في التجمع الكشفي العالمي الكبير الذي احتضنته اليابان بدءًا من 28 تموز 2018، والذي يقدّر عدد المشاركين فيه بأكثر من ثلاثمائة ألف شاب وشابة من مائة وخمسين دولة.

هذه الفرصة، وجدها البعضُ من المشاركين مناسبة للتعبير عن مدى الحرية والراحة النفسية واستراحة الضمير ومجالًا متجددًا للتواصل بين المشاركين من جنسيات وبلدان ومدن مختلفة ومن مختلف الأعمار والملل والأديان والأعراق. فهي حقًا إحدى الوسائل لإدامة زخم التواصل بين الأمم والشعوب المختلفة في الأرض تمامًا مثلما هي كبريات المناسبات الرياضية العالمية التي تجمع رواد الرياضة، إضافة إلى الجانب المعنوي ومدى الآثار التي يمكن أن يتركها مثل هذا التجمع الشبابي في نفوس المشاركين من حيث نقل التجربة العالمية إلى بلدانهم وشعوبهم ومدنهم وأقرانهم ومحيطهم. وهي مناسبة أيضًا للاعتراف بالتحديات الكبيرة التي تتعرض لها مجتمعات وأمم وشعوب ودول في مسيرة حياتها اليومية نتيجة للتنوع الثقافي والفكري والاجتماعي وبسبب الاختلاف العقائدي والديني والمذهبي. فالمخيمات الكشفية هي ساحة مفتوحة ومدرسة ثانية لصقل الشخصية وتبادل الخبرات والمهارات بالتعاطي مع ما تقدّمه البيئة من تحديات وصور وأشكال للطبيعة عبر العيش في الخلاء أو في الغابة أو في الصحراء.

إنّ الإقامة لأيام تحت سقف خيمة صغيرة واستكشاف الأجواء الطلقة هي بحدّ ذاتها تجربة غنية عن التعبير، فيها يشعر المشارك بفضاء أوسع يتنفس من خلاله هواءً حرًا نقيًا من الطبيعة بعيدًا عن الأجواء الضيقة في المنزل والشارع والمؤسسة. إنها قمة الحرية حينما يتخلى المرء، ولو لأيام عن حياة تقليدية يسودها الملل والرتابة والانزعاج من كلّ حدود عملية رتيبة أو قيود تفرضها الحياة اليومية المملة. هنا يشعر المشارك أنه تحرّر فعلاً من هذه كلّها لينفتح على عالم أوسع، أكثر بساطة، وأغنى انفتاحًا، وأروع في التجاوب مع الأمنيات والتطلعات والحريات حين الاعتماد على النفس واكتساب تجارب جديدة لبناء الشخصية واحترام القناعة والرأي لدى الغير الآخر وسط فضاء واسع متنوع الحركة. في ختام هذه التظاهرة، ترك المشاركون انطباعات عالية بإمكانية المجتمعات الاعتماد على دورهم الريادي في تثقيف البشر بترك بصمات إنسانية جميلة في التعاون والتكافل والمبادرة لخدمة الآخر.

دروس الاستكشاف التي تقدمها الحركات الكشفية للعالم، تشمل البشر جميعًا بتنوعهم الثقافي والإتني والعلمي تمامًا، وفيها صورة مجسمة ورمزية عالية لما يسعى الكشافة لاستكشافه في بطون الغابات من كنوز ودبيب وماء، وبالصيغة الرياضية الراقية التي يتعاملون فيها مع هذه جميعًا بروح متسامية وفكر متطور غاية في السموّ والرقيّ الإنساني. وإن كانت معسكرات الكشافة قد أصبحت تقليدًا في دول شهدت انفتاحًا وتقدمًا في الفكر والتنمية والحريات العامة، فإنها شهدت تراجعًا في غيرها وبالذات في بلدان منغلقة رأت في ممارسات مجتمعية غير تقليدية وفي حرية الاختلاط نوعًا من الفساد المجتمعي، بسبب ما أملته ثقافة مثل هذه البلدان المتخلّفة أو النامية من إشكاليات وتخاريف وترّهات فرضتها أفكارٌ دينية تريد العيش في غياهب الطبقات السفلى من العالم، ومنها المجتمعات العربية والإسلامية. وهذه فرصة أخرى تقدمها المجتمعات المتنورة والمنفتحة على العالم كي تدعو الأمم والشعوب جميعًا للتعاون والتكافل والتعاضد من أجل عالم أفضل تتمتع مجتمعاتُه بالحرية والانفتاح والسلام بدل القهر والظلم والتخلّف ووسائل القتل المدمّرة للإنسان والأرض والفكر على السواء.

 

أهداف الحركة الكشفية ومراحلُها

يرى البعض أن الحركة الكشفية استجابت إلى حدّ كبير لأهداف التحرر الاجتماعي والتعايش المجتمعي والتبادل الفكري والتقاسم في الرؤى التي يمكن لها أن تخلق مجتمعات متناغمة تتقاسم الفرح والألم وتتشارك في البحث عن حلول للمشاكل التي تعاني منها مجتمعات ودول. من هنا، فإنّ التربية المجتمعية والأدبية التي تنطلق منها الحركة الكشفية، من شأنها تعزيز روح التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع الواحد والوطن الأم وبين الدول والشعوب مع بعضها البعض. فالمبادئ التي أُنشئت من أجلها هذه الحركة، تتيح الفرصة للشباب الغض لاكتساب مزايا تحتاجها المجتمعات والأوطان عن طريق تبنّي تنشئة مجتمعية سليمة وسامية تحمل في ثناياها كلّ صفات المبادئ الأساسية في الحياة التي تفتقدها المجتمعات المعاصرة من طاعة ونظام وانضباط وتعاون وحبّ وتعاطف وشجاعة واعتماد على النفس. وهذه لا تقلّ في أهميتها عمّا يسعى إليه كل إنسان عاقل من علوم ومعارف وطموحات لأجل تطوير الذات وتحقيق أحلام النجاح والطموحات الذاتية المقبولة. وما حققته هذه الحركة العالمية منذ نشأتها، كفيل بردّ كلّ ما وجّهه البعض من اتهامات للرواد الأوائل وللمشاركين أو المنتمين إليها بوصف أنشطتها بالرجعية وذات خلفية قديمة في التعبير عن حق الإنسان بالبحث عن فضاءات تريح النفس وتصفي الفكر وتحث على مراجعة الضمير والمواقف خدمة لهم ومن أجل المنفعة العامة. في حين أنّ التاريخ الحافل للرواد والمؤسسين الأوائل كفيلٌ بالرد على مثل هذه الترّهات التي تنتقص من هذه الحركة العالمية الشبابية المنفتحة التي انطلقت من مبادئ وأهداف عليا سامية تريد الأخذ بأفكار الأحداث والشباب، فتية وفتيات، للوصول بهم وبمجتمعاتهم ودولهم إلى قمّة الروح الرياضية في خلق فرص أفضل للتعايش المجتمعيّ وفي التعامل اليومي الصحيح بين البشر على اختلاف أجناسهم وشعوبهم بلا تمييز ولا تفرقة ولا حدود.

لو عدنا إلى تاريخ هذه الحركة وبالذات لتحديد أصلها وتعريف معناها، لتوقفنا عند جذورها الفرنسية القديمة escoute)) التي تعني المُستطلع أو الكشّاف (éclaireur)، ومنها أتت كلمة (Scout) الإنكليزية. والكشافة هو الشخص النبيه سريع البديهة والحركة والحدس الذي يتم اختياره من ضمن مجموعة أشخاص ليقوم بالمراقبة واستطلاع موقع والعودة بكمّ من المعلومات الدقيقة حول تضاريس المنطقة المستطلعة وما فيها وعليها من دبيب وبشر وحجر ليُصار إلى تحليلها واتخاذ اللازم من إجراء لمواجهة الموقف. وهي بذلك من حيث المبدأ، لا تختلف عن مصطلح استخدامها للأغراض العسكرية. فهذا الأسلوب في الاستطلاع والمراقبة كان جاريًا منذ القدم في الغزوات والحروب المستخدمة بين القبائل أو الجيوش التقليدية منذ نشأة التاريخ. وما يزال ذات الأسلوب قائمًا مع تطور في التقنية والوسائل والمستلزمات بفضل تطور التكنلوجيا والعلم والفكر البشري والتخطيط الاستراتيجي المطبّق.  اليوم، وبحسب إحصاءات عالمية يبلغ تعداد هذه المنظمة بفصائلها الكشفية (كشافة للذكور) والإرشادية (مرشدات للفتيات) وغيرها من التسميات الأخرى، أكثر من 38 مليون فرد يضمّهم 217 بلدًا ومنطقة من كافة الأديان والجنسيات عبر منظمات أو جمعيات على المستوى العالمي، بحسب المعلومات التي تذكرها مواقع الكترونية موثوقة.

الحركة الكشفية، جاء تأسيسُها كمنظمة شبابية من فتية وفتيات بأعمار تتراوح بين 11-17 سنة تجمعهم أهداف عليا ومبادئ إنسانية مشتركة ترقى إلى تربية الأجيال على حب الوطن وحب الآخر، وإلى تفعيل قيم الاحترام والطاعة والنظام، والصبر على الشدائد، والاعتياد على تحمّل المشقات ومجابهة الصعوبات بروح رياضية، ونشر القيم الاجتماعية النبيلة مثل مدّ يد العون والتضامن بين أفراد المجتمع وصولاً لتطبيقها بين الشعوب والمجتمعات والدول. وتتجاوب هذه الأهداف مع النية للأخذ بيد الشبيبة من كلا الجنسين عبر صقل الشخصية وتمرين الذات والاعتماد على النفس وبناء التكوين الإنساني وشذب القدرات لديهم عقليًا وروحيًا وبدنيًا لتهيئتهم لأخذ دورهم الصحي الصحيح في المجتمع. وهي في ضوء هذه الأهداف لا تبدو كسائر التجمعات او المنظمات الترفيهية التي تركز جهودها للترويح عن هذه الفئة العمرية فحسب، بل من ضمن ما تسعى إليه تقوية القدرات العلمية والتربوية عبر مفردات الأنشطة المتعددة التي يتشارك بها هؤلاء الشباب عبر تشكيلاتهم التنظيمية ضمن فِرَق ومجاميع تمارس شتى الأنشطة من ألعاب وتمارين بدنية ومساهمات روحية ومجتمعية يحتاجها المجتمع.

طرأت لاحقًا، تحديثات على تسميات المجاميع الكشفية بحسب مراحلها، حيث اختلف أيضًا في تحديد السنّ والتسمية لكل مجموعة بحسب البلد. وهناك مَن قسّمها في ضوء الفئة العمرية كما في كشافة مصر الكنسية مثلاً، بدءًا بالبراعم (3-7 سنوات)، والأشبال والزهرات (7-11 سنة)، فالكشاف والمرشدات (11-14 سنة)، ثم الكشاف المتقدم (14-17 سنة)، فالجوّال (17 سنة فما فوق حتى يجتاز المنهج)، ثم تأتي مرحلة القيادة وهي أعلى درجة الجوّالة، وأخيرًا مرحلة الرواد (40 سنة ما فوق) لذوي الخبرة والتشريف. أما الوعد الذي يقسم به الكشافة ويلتزمون به في تطبيق قوانين الحركة، فهو واحد، ويتلخص بهذه الكلمات: “أعدُ بشرفي بأن أبذل جهدي في أن أقوم بواجبي نحو الله والوطن وأن أساعد الغير وأن أعمل بقانون الكشافة”. كما يتميز الكشافة بتحيتهم الخاصة وبشكل ولون الزيّ

تبقى الأهداف الأربعة الأساسية التي وضعها مؤسسها الأول “بادن باول” ماثلة في كلّ الحركات الكشفية العالمية من حيث تركيزها على تنمية روح الفرد وحصانته البدنية والصحية من خلال جملة أنشطة منها:

– تهذيب الشخصية عبر معسكرات في الهواء الطلق تُمارس فيها شتى أنواع الأنشطة والفنون والتمارين البدنية وأخرى تساعد على العيش المشترك وتنمية روح العمل الجماعي.

– السعي للتمتع بصحة وافرة وبناء قدرة بدنية صحيحة تساعد في تطوير الذات الشخصية وتحثّ على الاعتدال في التعامل اليومي من أجل اقتناء أجسام صحية ومعافاة.

– تطوير الذات عبر الحذق في الأعمال اليدوية وفي التمسك بالمواطنة الصالحة ليكون الشاب فردًا نافعًا في المجتمع والوطن.

– تشجيع الشباب على خدمة الجار والقريب المحتاج أي خدمة المجتمع الذي يقيمون فيه ويتعاملون معه يوميًا بكل أريحية وطيبة نفس. وهذا ما يُطلق عليه بالروح الرياضية أو الفروسية في العمل اليومي.

هذا وقد تم إضافة فقرة أو مبدأ آخر لاحقًا على أيدي الأب اليسوعي “سيفين” بموافقة المؤسس “باول”، وهو يتطرق إلى الشعور الدّيني والعلاقة تجاه الله الخالق.

 

-يتبع-

شاهد أيضاً

أما آن وقت الحساب !.

رحيم الخالدي        أما آن وقت الحساب !. يمر العالم العربي في الوقت …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن