بين الهدنة والحصار: ماذا يخطط ترامب لإيران؟
بقلم: د. حسام البدري
منذ أن نظّر توماس شيلينغ، مهندس فلسفة الردع الحديثة، لفكرة أن القوة تبلغ ذروة فاعليتها عندما لا تُستخدم، أصبحت إدارة التهديد جزءاً من إدارة الصراع ذاته. ومن هذا المنظور، تبدو الهدنة الأمريكية الإيرانية أقرب إلى استمرارية للحرب بوسائل مختلفة؛ فبينما تراهن طهران على الزمن، تراهن واشنطن على أن الزمن نفسه أصبح أحد أدواتها. وقد عكست أسواق الطاقة هذه المعادلة حين أشارت رويترز إلى أن مجرد احتمال التصعيد كان كافياً لإبقاء أسعار النفط تحت تأثير علاوة المخاطر. والسؤال هنا: ماذا لو كان الوقت الذي تراهن عليه طهران هو نفسه السلاح الذي تراهن عليه واشنطن؟
تاريخياً، تأسس العقل الاستراتيجي الإيراني على فرضية أن الزمن يستنزف الخصوم قبل أن يستنزفه. غير أن معادلة الصمود تصطدم اليوم بحقيقة اقتصادية مختلفة؛ فبحسب مركز الإمارات للسياسات ما يزال النفط عصب المالية الإيرانية، فيما أظهرت بيانات نقلتها Iran International تراجعاً في عائدات الصادرات النفطية. وعندما ينحسر تدفق النقد الأجنبي، لا تخسر الدولة إيراداتها فحسب، بل تفقد تدريجياً قدرتها على تثبيت العملة واحتواء التضخم وتمويل التزاماتها السيادية. وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً: هل تستطيع دولة ريعية أن تكسب معركة الزمن بينما مصدر دخلها الرئيسي يخسر معركته مع الزمن؟
غير أن المسألة لا تتعلق بالإيرادات وحدها. فقد أوضح مركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا أن إغلاق الحقول النفطية لفترات طويلة قد يؤدي إلى أضرار تقنية تشمل تآكل بعض المكونات وترسب المواد داخل الآبار وتراجع الكفاءة التشغيلية. كما حذرت جمعية مهندسي البترول من أن بعض الحقول لا تعود إلى معدلات إنتاجها السابقة بسهولة بعد فترات التوقف الطويلة. أي أن الخطر لا يهدد الخزينة الإيرانية فقط، بل يمتد إلى البنية المنتجة للثروة نفسها. وهنا يفرض الواقع سؤالاً استراتيجياً آخر: متى يتحول الصمود من أداة مقاومة إلى أداة استنزاف ذاتي؟
أما قانونياً، فالصورة أكثر تعقيداً مما توحي به السجالات الإعلامية. فبحسب وثائق الكونغرس الأمريكي وقانون صلاحيات الحرب، لا يملك الرئيس حرية مطلقة في شن الحروب، لكنه يمتلك مساحة واسعة للمناورة إذا اعتبر أن أي عمل عسكري يمثل استئنافاً لنزاع قائم، أو دفاعاً عن القوات الأمريكية، أو استجابة لتهديد وشيك. ولذلك فإن انتهاء مهلة الستين يوماً لا يعني بالضرورة انتهاء الخيارات العسكرية. وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل تُحسم الحروب في النصوص القانونية أم في قدرة الساسة على إعادة تفسيرها؟
ولعل أكثر الفرضيات تداولاً أن المونديال أو الألعاب الأولمبية أو الانتخابات الأمريكية تشكل قيوداً حقيقية على القرار العسكري في واشنطن، غير أن وقائع التاريخ لا تقدم أدلة كثيرة على ذلك. فقد استمرت الحرب الكورية خلال أولمبياد هلسنكي 1952، وجاء الغزو الأمريكي لبنما قبل أشهر من كأس العالم 1990، فيما سبق الغزو السوفيتي لأفغانستان أولمبياد موسكو 1980 مباشرة، واندلعت الحرب الروسية الجورجية بالتزامن مع افتتاح أولمبياد بكين 2008. كما لم تمنع الاستحقاقات الانتخابية إدارات أمريكية متعاقبة من مواصلة أو توسيع عملياتها العسكرية عندما رأت أن المصلحة الاستراتيجية تقتضي ذلك. فالدول العظمى لا تدير حسابات القوة وفق رزنامة الأحداث العالمية، بل وفق إدراكها لموازين الردع والمصلحة. ولذلك يبقى السؤال النهائي: إذا كانت الهدنة تمنح واشنطن مكاسب اقتصادية واستراتيجية من دون كلفة الحرب الشاملة، فهل تحتاج فعلاً إلى الضربة القاضية الآن، أم أن الضربة الحقيقية هي إبقاء إيران معلقة في انتظارها؟
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.