العراق والثورة على الذات
بسم الله الرحمن الرحيم
العراق والثورة على الذات
بداية لا بد أن نعي ما معنى الثورة على الذّات فهناك ثورة سياسية وأخرى إقتصادية وإجتماعية وهناك ثورات علمية وتكنلوجية وأخرى فكرية وثقافية ورغم إشتراكها بهدف التغيير الّا أن الثورة على الذات تعني بإختصار تجرد الإنسان ذاتياً عن أفكار كانت تسيطر عليه وتمرده على نفسه بُغية تغيير حياته وحياة الآخرين نحو الأفضل وهي عملية بلا شك شجاعة وقرار إنساني هام فليس من السهولة أن يتخلى الإنسان طوعياً عن مغريات الحياة والمنصب والجاه الا إذا كان سامياً نبيلاً, ومؤمناً ورعاً, وزاهداً نقياً مخلصاً, لأن في هذه الثورة تحطيم للقيود النفسية والسلوكية وتخليص النفس من الأفكار والتوجهات السلبية والعمل على إعادة بناء الشخصية عن طريق الرُقي بأفكاره ورؤيته للعالم وللمجتمع الّذي يعيش فيه ورفضه القبول بقوالب كانت مفروضة عليه ردحاً من الزمن والسعي الجاد لتطوير منهجيته وتحسين أدائه الوطني النزيه والمخلص بغية الوصول الى الأهداف المشتركة ونزع روح الأنانية الفردية التي تقود الى التسلط والمذهبية البغيضة, والتوقف عن القبول بكل ما نسمع ونشاهد ونقرأ دون تمحيص ومعرفة وتدقيق وهذا يتطلب التوقف عن قبول القديم والنزوع نحو الجديد الأفضل والأقوى والأرشد.
لقد أدرك الشعب العراقي بجميع طوائفه وقومياته وأديانه أن الخبز والأمان والكرامة لا دين لها وأنّ العيش الكريم الآمن والخدمات العامة المتميزة والتنمية المُستدامة لا مذهب لها, كما أن التخندق الطائفي والمذهبي والقومي داخل البلد الواحد هو دمار شامل وهدر كبير للطاقات والموارد وبؤر متأهجِّجة للخلافات والصراعات المجتمعية ولا نحصد منها سوى الفساد والفقر وفقدان السيادة الوطنية والسلم المجتمعي حتى بات الإصلاح التدريجي في عراق اليوم غير قادر على معالجة الآفات التي يواجهها الشعب العراقي مما يستوجب الثورة على الذات من أجل صياغة أطر ومعايير ديمقراطية إجتماعية كفيلة بحفظ حقوق الأقليات كما تُعطي للأغلبية حقها الدستوري ليعيش الجميع بأمن وأمان.
إنّ الثورة على الذات هي أكبر من الثورة على النُظُم السياسية وأعمق أشكال التغيير لأنها تقوم على تحطيم الرؤى والطروحات الفكرية التي قيَّدت العقل العراقي الجمعي وساندت كثير من حالات الفساد المستشري في البلاد لسنوات طويلة بسبب وجود منظومة سياسية قائمة على الطائفة والمذهب وأحزاب سياسية تختصر الجغرافية في على مدن ومناطق معينة.
إنّ الإصلاح السياسي التدريجي في ظل منظومة التخندق الطائفي يكون مجرد عملية ترقيعية وإعادة تدوير وجوه أثبتت فشلها لسنوات عديدة مما يتطلب ذلك الإنتقال من(شرعية المكونات الى شرعية المواطنة) من خلال الإعتماد على الركائز الآتية:
1. إعادة النظر في مواد الدستور العراقي فبدلاً من أن يكون أداة للتقسيم المذهبي والقومي وتقاسم الحصص بين الكتل والأحزاب السياسية وتنازع قومي وجغرافي ومصلحي يجب أن يكون عقد إجتماعي جامع يحمي حقوق الفرد العراقي على أرض العراق وخارجه بإعتبار أن الإنسان العراقي قيمة عليا وهدف أي نظام سياسي رشيد.
2. المحافظة على حقوق الأغلبية التي تعكس إرادة الناخبين مع ضمان التنمية والخدمات العامة وتكافؤ الفرص بعيداً عن أي وصاية سياسية أو حزبية مع مراعات أن الشراكة الوطنية تقتضي الشعور بالآخر .
3. حماية حقوق الأقليات والتي غالباً ما تكفلها الديموقراطيات الاجتماعية وإعتبارها حقوق قانونية ودستورية أصلية (ثقافية وسياسية ودينية وعدلية) وليس منحة من أحد ويجب أن تحميها القوانين والمعايير الديمقراطية السليمة وليس قوة السلاح فيتحول التنوع السياسي الى نقطة ضعف تستغلها القوى الإقليمية والدولية الطامعة بالعراق وشعبه حتى إذا ما شعر العراقي أن حكومته تضمن له العمل والكرامة والخدمات بغض النظر عن مذهبه وطائفته فإنه ستخلى عن مذهبيّته وحزبيّته لصالح الوطن الّذي يسعده ويحميه.
4. تقتضي عملية الثورة على الذات السياسية والذات المجتمعية التحرر من الإنقياد العاطفي خلف شعارات مذهبية وطائفية أثبتت أنها لم تحقق مصلحة وطنية عليا بل كانت في كثير من الأحيان وسيلة للتلاعب بمشاعر الناس وتوجيهها ضد أسس السلم الاجتماعي بينما الثورة على الذات الإنسانية تعني أن يفهم إبن الوطن الّذي يختلف معك في معتقده وقوميّته وطائفته أنه الأقرب اليك من أي أجنبي طامع في أرضك ومقدّراتك حتى وإن شاركك الديانة أو المذهب.
5. منذ زمن طويل غادر العراقيون قاعدة الزعيم الأوحد والقائد المُلهم والمناضل الثوري مما يستوجب إعادة النظر في العمل المؤسسي الّذي يقتضي وجود رؤى إستراتيجية طويلة الأمد لضمان إستمرار العمل تحت ظل نظام يتصف بالشفافية والوضوح والشورى في صنع القرار ومراعاة أهمية بقاء العاملين في دوائرهم لتحقيق الإستفادة القصوى من تراكم الخبرات وأمور أخرى كثيرة تخص العمل المؤسسي بدلاً من التغييرات التي تعقب كل عملية إنتخابية جديدة.
6. وجود دولة قوية هو ضمانة للقانون وأحكامه والا سيبقى الدستور حبراً على ورق, وقوة الدولة تعني جيش واحد وسلاح بيد أفراده لضمان عدم فرض أي إرادة بالقوة المسلحة مع وجود الدولة ودورها في حماية المواطن العراقي مهما كانت طائفته وديانته وقوميته.
7. يجب إستقلال القضاء ليكون الحاضنة التي يلجأ اليها المواطن عندما يشعر بالظلم أو الإنتهاك سواء كان من الأغلبية أو من الأقلية وهو واثق بعدالة الأحكام وقانونيتها فالقانون يجب أن يعرف ديناً أو طائفة أو مذهب.
وأخيراً فإن قيادة النُظُم السياسية لها دستوريتها ومؤسساتها الجامعة وهي ليس كقيادة العشيرة أو المذهب وما تخلقه من عودة الى الانتماءات الفرعية القبلية والعشائرية والمذهبية التي تخلق نزاعات وخلافات وقوانين لا تصلح لقيادة الوطن وأحكام العدالة بين أبناءه ولذلك عندما ينجح العراقيون في هذه الثورة الذاتية سيتغيّر شكل الدولة وسيتحول العراق من دولة ريعية الى قوة إقتصادية كبيرة ليس في المنطقة العربية بل في العالم أجمع مستفيداً من أمكاناياته المادية والبشرية وموقعه كجسر بين الشرق والغرب ويمتلك جيشاً وطنياً مهنياً محترفاً لا يحتاج الى قوى خارجية لحماية سيادته التي ستكون محمية بتماسك شعبه ووحدة خنادقه ومؤثِّراً في التوازنات الدولية ورقماً صعباً في العلاقات الدولية وفيه شعبٌ يستحق العيش بكرامة وإستقرار دائم تسود الأُلفة والمحبة والتكافل بين جميع مدنه وأركانه.
الدكتور شاكرعبدالقهار الكبيسي
15/6/2025م
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.