مقالات

مسرح هرمز الكبير: حين يُدار الصراع كعرض طويل لا ينتهي – احمد

مسرح هرمز الكبير: حين يُدار الصراع كعرضٍ طويل لا ينتهي
في الوقت الذي كان يفتخر فيه ترمب بتدمير 75%من قدرات ايران العسكرية وانه دمرها برا وبحرا وجوا كانت الدفاعات الجوية الايرانية تتعامل مع أهداف يقال انها اخترقت المجال الجوي الايراني بكامل طاقته وبحرفية كيف هذا !.
في كل مرة يرتفع فيها صوت التصريحات عن “تدمير شامل” و“شلّ قدرات”، يظهر الواقع بعدها مباشرة ليكذّب الحكاية بنعومة باردة: دفاعات تعمل، سفن تُعترض، وزوارق تتقاطع في الممرات نفسها وكأنها تؤدي رقصة محفوظة الخطوات. هنا لا نتعامل مع تناقض عابر، بل مع نمط متكرر يكشف أن ما يُعرض علينا ليس حربًا للحسم، بل إدارة صراع بحسابات دقيقة، حيث الضجيج أعلى بكثير من النتائج النهائية.
الحديث عن تدمير دولة بحجم إيران بضربة أو حتى بسلسلة ضربات هو خطاب سياسي قبل أن يكون توصيفًا عسكريًا. القدرات العسكرية الحديثة ليست هدفًا واحدًا يُقصف فيختفي، بل شبكة موزعة، مرنة، قابلة لإعادة التموضع. ما يُستهدف عادة هو نقاط محددة: رادارات، مخازن، منصات، أو عقد قيادة. أما “التدمير الكلي” فهو تعبير يصلح للمنصات الإعلامية أكثر مما يصلح لخرائط العمليات. لذلك لا يُفاجئ أن تستمر الدفاعات في العمل حتى بعد موجات قصف، لأن ما ضُرب ليس كل ما تملك الدولة.
في مضيق هرمز، تتجلى الصورة بأوضح أشكالها. ممر ضيق، كثافة ملاحة، وحساسية اقتصادية عالمية تجعل أي احتكاك فيه حدثًا مضخمًا. الزوارق السريعة، أسلوب الاقتراب، التحذير، ثم التصعيد المحسوب؛ كلها تكتيكات تبدو متشابهة إلى حد يثير الشك لدى المشاهد: هل الفريقان يلعبان من كتاب واحد؟ الحقيقة أبسط وأقسى في آن واحد: البيئة تفرض القواعد. حين تكون المساحة محدودة والرهانات عالية، تتقارب الأدوات والأساليب. التشابه هنا ليس دليل وحدة قيادة، بل نتيجة منطقية لقيود المكان.
لكن الأهم من شكل المشهد هو جوهره: لا أحد يريد كسر العظم. إغلاق المضيق بالكامل ليس ورقة ضغط عادية، بل قنبلة اقتصادية تصيب الجميع، بما فيهم من يلوّح بها. لذلك يبقى السلوك في منطقة “ما قبل الانفجار”: اعتراضات انتقائية، رسائل قوة، احتجازات محسوبة، وتراجع في اللحظة الأخيرة. كل طرف يدفع السقف إلى حافته دون أن يتجاوزه. لعبة شدّ حبل طويلة، تُستثمر فيها الأعصاب أكثر مما تُستهلك فيها الذخائر.
من هنا تبدو فكرة “البعبع” أقل سذاجة مما يُقال عنها، لكنها أيضًا ليست الحكاية كاملة. نعم، وجود خصم واضح يُسهّل تبرير الانتشار العسكري وبناء التحالفات وإدارة الأسواق. ونعم، يتم تضخيم الخطر أحيانًا في الخطاب. لكن في الوقت نفسه، هذا الخصم يمتلك نفوذًا حقيقيًا وقدرة على الإزعاج والمشاغلة. إذن نحن أمام “مشكلة حقيقية يُعاد توظيفها”، لا “اختراع وهمي” خالص. الفرق بين الاثنين هو الفارق بين الدعاية والواقع، بين المسرح والشارع.
التشبيه الشعبي بأن اللاعبين “حرامية اتفقوا على السطو ثم اختلفوا على الغنيمة” يختصر الإحساس العام، لكنه يضلّل في التفاصيل. ليس هناك اتفاق شامل تحت الطاولة يدير كل شيء، بل تداخل مصالح وصراعات متقاطعة. قد يهدأ التوتر في ملف ليفتح في آخر، وقد يتقارب خصمان في ساحة ويشتبكان في ساحة أخرى. ما يبدو تنسيقًا أحيانًا هو في الحقيقة توازن رعب غير مُعلن، يفرض على الجميع حدودًا لا يرغب أحد في تجاوزها.
الخلاصة أن ما نراه ليس حربًا للحسم ولا سلامًا مستقرًا، بل إدارة دائمة للأزمة. عرض طويل تتبدل فيه الفصول دون أن تتغير القصة الأساسية: ضغط بلا كسر، رد بلا انفلات، وتصريحات أكبر من الأفعال. تبقى إيران حاضرة، لا كقوة مطلقة ولا ككيان منهار، وتبقى القوى الكبرى ممسكة بالخيوط، لا كعرّاب واحد يدير المشهد، بل كشبكة لاعبين يحسب كل منهم خطواته بدقة. أما الجمهور، فيُترك له الانطباع بأن ما يجري فوضى أو مسرحية، بينما الحقيقة المزعجة أنه مزيج من الاثنين: صراع حقيقي يُدار بوعيٍ شديد كي لا يتحول إلى كارثة شاملة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى