ما الفرق بين القانون الطبيعي والوضعي، وما علاقة حقوق الإنسان
بينما يسعى الإنسان لتنظيم حياته (أو هكذا يعتقد على الأقل)، يجد نفسه أمام مرجعيتين تتنازعان سلطة التشريع إن جاز التعبير؛ حيث هناك قانون صاغته الطبيعة أو الإله في جوهر الوجود، وهناك قانون صاغته أيادي البشر لتسيير شؤونهم اليومية، وإن الجدل بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي ليس مجرد خلاف أكاديمي، بل هو الصراع الوجودي حول مصدر “العدل”؛ وهل هو ثابت عابر للزمان والمكان، أم هو متطور يتبع مصلحة الجماعة وإرادة المشرّع في سياقها التاريخي؟
يستند القانون الطبيعي إلى رؤية وجودية ترى أن هناك نظاماً أخلاقياً متأصلاً في الكون، يمكن للعقل البشري اكتشافه دون الحاجة لنصوص مكتوبة، فالحق في الحياة والكرامة، وفق هذا المنظور، ليس منحة من الدولة، بل هو “حق أصيل” نابع من طبيعة الإنسان ككائن عاقل، وهنا تلتقي الفلسفة الوجودية مع الميتافيزيقا؛ فالفرد يمتلك حقوقاً قبل وجود المجتمع ذاته، وهذه الحقوق تسمو على أي قانون بشري قد يحاول المساس بها أو إنكار جوهرها.
وعلى النقيض تماماً، يأتي القانون الوضعي ليربط الشرعية بـ “الواقعية”، فالحق في الفقه الوضعي هو ما “وُضع” وسُنَّ من قبل سلطة مختصة في زمن معين، ولا يعترف الوضعيون بحقوق “هائمة” في سماء الأخلاق ما لم تُدرج في مدونة قانونية واضحة، وبالنسبة لهم، القانون هو أمر صادر عن صاحب سيادة ومقترن بجزاء مادي، والوجود هنا للفعل الإجرائي؛ فالحق لا يوجد إلا بوجود نص يحميه، والقيمة الأخلاقية للحق ثانوية أمام استقراره وثبوته القانوني.
تتجلى علاقة حقوق الإنسان بهذا الصراع في كونها “الجسر” الذي حاول توحيد هذين المسارين، فحقوق الإنسان في جوهرها هي “حقوق طبيعية” أُلبست ثوباً “وضعياً”، وعندما صاغ العالم “الإعلان العالمي لعام 1948″، كان الهدف هو تحويل المبادئ الأخلاقية السامية (القانون الطبيعي) إلى التزامات قانونية مكتوبة (القانون الوضعي)، وهذا التدوين جعل من المستحيل على الدول أن تتذرع بسيادتها لسحق الفرد، لأن الحق أصبح يتمتع بشرعية أخلاقية كونية وقوة قانونية إجرائية في آن واحد.
ومن منظور وجودي، يمثل القانون الطبيعي “الضمير”، بينما يمثل القانون الوضعي “العقد”. وحقوق الإنسان هي الوثيقة التي تضمن ألا يطغى العقد على الضمير، فإذا شرعت دولة ما قانوناً وضعياً يجيز التعذيب، يتدخل القانون الطبيعي ليعلن بطلان هذا النص لمخالفته كرامة الإنسان، وهنا تظهر حقوق الإنسان كمعيار نقدي؛ فهي تمنح الفرد الحق الوجودي في التمرد على القوانين الوضعية “الجائرة” استناداً إلى قانون أسمى لا يملك البشر حق تغييره أو إلغائه.
وفي فلسفة القانون الحديثة، لم يعد الصراع صفرياً؛ بل أصبح القانون الوضعي يستمد رصانته من اقترابه من قيم القانون الطبيعي، وإن حقوق الإنسان الدولية اليوم هي بمثابة “قانون طبيعي مدوّن”؛ حيث يتم استلام القيم المطلقة مثل “الحرية” و”المساواة” وصياغتها في مواد قانونية مفصلة، وهذا التكامل يضمن ألا تظل الحقوق مجرد أحلام فلسفية، وألا تتحول القوانين الوضعية إلى أدوات صماء تفتقر للروح الإنسانية والبوصلة الأخلاقية التي تحمي وجودنا.
إذن، ما الذي يربط حقوق الإنسان بكلا القانونين؟
الرابط هو “الإنسان كغاية”.
فالقانون الطبيعي يحدد “لماذا” نحمي الإنسان (لأنه قيمة مطلقة)، والقانون الوضعي يحدد “كيف” نحميه (عبر المحاكم والمعاهدات). وحقوق الإنسان هي ”اللغة“ التي تترجم هذا “الوجود” إلى “فعل”، فبدون الجذور الطبيعية تفتقر الحقوق للمشروعية، وبدون القوالب الوضعية تفتقر للفاعلية، وإنها علاقة عضوية تجعل من كرامة الفرد مركز الثقل الذي يدور حوله كل تشريع بشري أو إلهي.
وإن التوتر بين “ما هو كائن” (القانون الوضعي) و”ما يجب أن يكون” (القانون الطبيعي) هو المحرك لتطور حقوق الإنسان عبر التاريخ، فكلما اكتشف الإنسان جانباً جديداً من هشاشته الوجودية، سعى لفرض حمايتها عبر القوانين، وهذا السرد المنطقي يقودنا إلى حقيقة أن حقوق الإنسان هي الضمانة الوحيدة ضد تحول القانون إلى مجرد إرادة للقوة؛ فهي تذكير دائم بأن السيادة الحقيقية هي سيادة العدل النابع من صميم الطبيعة البشرية، لا سيادة النصوص المجرّدة.
وإن فهمنا للفرق بين القانونين يجعلنا ندرك قيمة ما نملكه من وثائق حقوقية.
فنحن لا نطالب بحقوقنا لأن الدولة منحتها لنا، بل لأننا بشر؛ ونحن نتمسك بتدوينها في القوانين الوضعية لنضمن أن يظل هذا الاعتراف واقعاً ملموساً، وإنها رحلة الروح الإنسانية في البحث عن الأمان والحرية، رحلة تبدأ من تساؤل العقل عن “الحق” وتنتهي بوقوف الفرد واثقاً أمام السلطة، متسلحاً بقانون يحترم وجوده وكرامته كإنسان فوق كل اعتبار.
وبهذا نحن نكتشف أن حقوق الإنسان ليست مجرد فرع قانوني*، بل هي “خلاصة الوعي البشري”، وإنها التجلي الأسمى للتصالح بين ما هو طبيعي فطري وما هو وضعي إجرائي، مما يخلق سياجاً يحمي الكيان الإنساني من التآكل تحت وطأة الظروف السياسية أو الأيدولوجية، ويضمن أن يظل صوت العدالة مسموعاً مهما تباينت لغات المشرعين أو اختلفت مصالح القوى السياسية.
مستوحى من أطروحة جيرمي والدرون في دليل كامبريدج لفلسفة القانون، تحرير جون تاسيولاس، ترجمة د. عبد الله الركف، الفصل الثامن (231-240).
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.