آراء متنوعة

في رحاب الشوق إلى الله

رملة عبد المنعم البياتي

الحج… تلك الفريضة التي كتبها الله على من استطاع إليه سبيلًا…تحمل في طياتها من الهيبة ما يجعل الكلمات تقف عند عتبتها بخشوع.
هو الامتداد الحيّ لنداء نبي الله إبراهيم عليه السلام حين أذّن في الناس بالحج…فلبّت الأرواح قبل الأجساد..
وما زال صدى ذلك النداء يتردد في أعماق المؤمنين حتى اليوم.
فيه تتلاشى الفوارق..وتسقط الألقاب..ويقف الجميع في مشهدٍ مهيب..بلباسٍ واحد..وقلوبٍ متوجهة إلى رب السموات والأرض.
أيُّ وحدةٍ أعظم من هذه؟ وأيُّ خشوعٍ أصدق من أن يقف الإنسان بين يدي خالقه..مجردًا من كل شيء إلا حاجته إليه؟
ولأنّ القلب إذا ذاق شيئًا من هذا القرب..ظلّ مشدودًا إليه أبدًا…

تهيّأوا بالدعاء ..فقد اقترب يوم عرفة… يومٌ تتنزل فيه الرحمة وتُفتح فيه أبواب الرجاء على اتساعها
لبيك… وإن قست القلوب
لبيك وإن فاضت الذنوب
لبيك إنا عائدون..تائبون..نادمون…
لبيك إن العيش عيش الآخرة.

بهذا النداء العتيق الذي يتجاوز كونه لفظًا على اللسان….تبدأ الأرواح رحلتها كل عام.
كأن التلبية ليست جوابًا لمكان بل استجابة لنداءٍ أزليٍّ يسكن أعماق الإنسان منذ أن وُجد.

نداء يعيد ترتيب القلب ويوقظ في الداخل إحساسًا خفيًا بأن الطريق إلى الله لا ينقطع…حتى وإن أثقلتنا الدنيا وأبعدتنا المسافات.

في كلِّ عام من هذه الأيام المباركة..يتبدّل إيقاع الحياة في القلوب قبل الأماكن…نبضٌ مختلف..
في بيوتٍ تُكتب فيها حكاية بأحرفٍ من نور .
فرحةٌ تُزفّ مع دمعة…ودعوةٌ تُرفع مع رجاء.
هنا أمٌّ تُعدّل ثوب الإحرام بيدٍ مرتجفة…وهناك أبٌ يوصي أبناءه وقلبه معلّقٌ بالكعبة.
تتعانق القلوب قبل الأجساد…ويُودَّع المسافر لا كأي مسافر..بل كقاصدٍ بيتَ الله… محمّلًا بدعواتٍ صادقة..وأماناتٍ من رجاء..وحنينٍ يتجاوز حدود الأرض.

ففي الأيام العشر الأولى من ذي الحجة..لا تبقى القلوب في أماكنها.
ثمة أرواحٌ تغادر أصحابها خفيةً وتمضي نحو مكة..وكأن الله يناديها من مسافاتٍ لا تدركها الخرائط.
يصبح الحنين عبادةً أخرى ويغدو الشوق نوعًا من صلاةٍ لا تنتهي.

هذه الليالي تُشعر المسلم أن العالم كله يضيق أمام اتساع تلك البقعة المباركة التي تهفو إليها الأرواح منذ قرون.
هناك…حيث الكعبة البيت العتيق..
[ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ]الحج: 29

ليست حجرًا يُطاف حوله فحسب…بل قلب الأرض النابض بالله.
هناك..حيث تختلط الدموع بالتلبية وترتفع الحناجر المرتجفة بنداءٍ واحد..(لبيك اللهم لبيك)
ما أعظم ذلك المشهد الذي تتلاشى فيه الفوارق كلها دفعةً واحدة.
فلا غنيّ يعلو بماله..ولا فقير ينكسر بعوزه…ولا أبيض يفتخر بلونه..ولا أسود يُنقصه شيء ولا أيّ لغةٍ يتحدثون …. آلاف الوجوه..من أعراقٍ ولغاتٍ وثقافاتٍ مختلفة..تتحرك في انسجام مهيب ..
الجميع يأتون بثيابٍ بيضاء تشبه الأكفان..وكأنهم يعلنون منذ اللحظة الأولى أنهم خلعوا الدنيا خلف ظهورهم..وجاؤوا إلى الله كما ولدتهم أمهاتهم:
أرواحًا متعبة تبحث عن الرحمة.

وفي الطواف…يبدو المشهد أقرب إلى دوران الأرواح حول نورها الأول.
وجوهٌ أنهكتها الحياة…
وأخرى أثقلتها الخطايا
وقلوبٌ أرهقتها منافي الروح…لكنها حين تصل إلى بيت الله الحرام..تنكسر دفعةً واحدة … فتبكي…
تبكي كما لو أنها وجدت أخيرًا الطريق إلى الله بعد غيابٍ طويل.

ثم يأتي السعي بين الصفا والمروة..لا كحركةٍ جسدية فحسب، بل كاستعادةٍ لذاكرة الإنسان الأولى في الرجاء.
سعيٌ بين خوفٍ وأمل، بين عطشٍ وانتظار، بين ضعفٍ ورحمة… وكأن الإنسان يكرر عبر خطواته قصة البشرية كلها في بحثها الدائم عن الطمأنينة

أما عرفة…فهو اللحظة التي يتوقف فيها الزمن في وعي المؤمن.
فلا تكفي اللغة كلها لوصف لحظة يقف فيها ملايين البشر يقفون على صعيدٍ واحد …تحت السماء نفسها…بقلوبٍ مرتجفة..وأيدٍ مرفوعة…ودموعٍ لا يخجل منها أحد. كأن العالم كله قد اختصر في دعاءٍ طويل لا ينتهي.
هناك لا يسمع الإنسان ضجيج العالم..بل يسمع قلبه فقط وهو يهمس:
يا رب… جئتُك بما تبقى مني.
في وقفة عرفة..يشعر المرء أنه عارٍ تمامًا أمام الله…بلا قوةٍ يتكئ عليها
ولا مكانةٍ تحميه
ولا شيء يملكه سوى رجاءٍ واسع برحمة الرحمن.
أن الله..في تلك الساعات المباركة..يفتح أبواب السماء كلها لعباده المنكسرين ولقلوبهم المتعبة:
ليقول …آن لأرواحكم أن تستريح.

ولعل أكثر ما يوجع القلب في موسم الحج.
أن الشوق إليه لا يصيب الحجاج وحدهم.
ثمة أناسٌ لم تطأ أقدامهم مكة قط…لكن أرواحهم تعرف الطريق إليها جيدًا.
كلما سمعوا التلبية..أدمعت العيون
وارتعشت القلوب عند رؤية الطائفين..و كأن بينهم وبين الكعبة حبل حنينٍ لا ينقطع.

ولعل الحج في جوهره ليس مجرد رحلة إلى مكانٍ مقدس..بل دعوةٌ إلهية خفية..يختار الله بها من يشاء من عباده
كم من قلبٍ ظل سنواتٍ يدعو سرًا:
“اللهم لا تحرمني الوقوف ببابك”.
حتى جاءه النداء ذات يوم…فبكى ..وقضى قبل أن يصل.

وكم من أرواحٍ ما زالت تنتظر تلك الدعوة..تعيش على أمل اللقاء
وتؤمن أن الله لا يزرع هذا الشوق الكبير في القلوب عبثًا.

حين تأتي هذه الأيام …يشعر المسلم أن روحه معلقة بين الأرض والسماء.
يعيش ذلك الحنين المقدس الذي
لا يشبه أي حنين آخر..
حنين عبدٍ يعرف أن في مكة جزءًا من روحه.
وأن بينه وبين الله موعدًا لم يحن وقته بعد… لكنه آتٍ لا محالة

وفي رحاب هذا الشوق…
لا يبقى في القلب إلا دعاءٌ واحد
ولا يبقى في القلب إلا الله…
فنرفع أكفّ أرواحنا قبل أكفّ أيدينا..
وندعوه كما يدعوه المشتاق الذي عرف أن كل الطرق..مهما تشعّبت…لا تنتهي إلا إليه.

يا الله…
يا واسعَ الرحمة…
ها نحن نقف على أبواب رجائك…بثياب أرواحٍ أرهقها البُعد..وقلوبٍ تعبت من الدوران في الدنيا ولم تجد السكينة إلا في ذكرك.

يا رب…
إن لم نكن اليوم بين الحجيج…فاجعل أرواحنا تحجّ إليك كل ليلة
واجعل قلوبنا كعبةً لا يسكنها إلا حبك
ولا يطوف فيها إلا ذكرك
ولا يُرفع فيها إلا الدعاء لك.

اللهم إنّا لا نسألك حجًّا تُدركه الأقدام فقط..بل حجًّا تبلغك فيه الأرواح.
نسألك طوافَ القلوب حول نورك
وسعيَ الأرواح إليك ووقفةً صادقة على باب رحمتك نخلع فيها عنّا ضجيج العالم ونعود كما خلقتنا أول مرة:
أنقياء بك وفقراء إليك وممتلئين بحبك
وتقبّل منّا يا الله هذا الحنين…
فإن بعض الدعوات لا تُقال باللسان بل تُعرف من ارتجاف القلب حين يُذكر اسمك..

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى