مقالات سياسية
دور الإستخبارات في الحروب الحديثة
كلنا نراقب اخبار الحرب المشتعلة هذه الأيام بين أمريكا واس*رائ*يل من جهة وإيران من جهة اخرى المتعاونة مع أذرعها الأخطبوطية الممتدة عبر الميليشيات الولائية في العراق الى ح*زب ال*له في لبنان وقوات الحوثي في اليمن و منظمة ح*ما*س المختبئة في أنفاق غ*ز*ة .
إس*رائي*ل لها تاريخ طويل مع إيران في بناء شبكات متعددة من عملاء وجواسيس يزودون الموساد الإ*سر*ائي*لي بالمعلومات واحداثيات الاماكن الحساسة من مفاصل الدولة ومؤسساتها ومصانع الصواريخ ومواقع مفاعلاتها النووية ومعسكراتها ومنازل قادتها السياسيين والعسكريين .
لما كانت المفاعلات النووية الإيرانية التي تعمل على رفع مستوى تخصيب اليورانيوم الى مستويات عالية تؤهلها لتصنيع القنبلة النووية ووسائل نقلها بالصواريخ البعيدة المدى التي تهدد بها إس*رائي*ل ، لذا قررت اس*رائ*يل وجهاز استخباراتها القوي الموساد تسخير كل الوسائل لتدمير هذا النشاط النووي لإيران . ولما كانت المفاعلات النووية قد بنيت داخل أنفاق عميقة في باطن الجبال المحصنة بالصخور ويصعب قصفها بالقنابل . قررت الموساد قصف العقول المشغلة لهذه المفاعلات والمصممة للقنابل النووية والصواريخ التي تهدد أمن إس*رائي*ل و دول الشرق الأوسط واوربا.
بدأت الموساد بناء شبكات كثيرة من الجواسيس الذين يزودونه بالمعلومات والإحداثيات من داخل إيران من الناقمين على النظام الحاكم فيها. وبدأت بسلسلة من الاغتيالات الصامتة والم*روع*ة للعلماء والمهندسين والمختصين بالصناعة النووية .
في عام 2007 تم اغتيال العالم أردشير حسين بور بتسمم إشعاعي غامض .
في عام 2010 اغتيل العالمين مسعود علي محمدي و مجيد شهرياري بالقنابل اللاصقة والمتفجرات التي زرعت في سياراتهم .
في 27 نوفمبر 2020 تم استهداف الرأس المخطط والمصمم للمفاعلات النووية الإيرانية أستاذ الفيزياء النووية محسن فخري زادة . فق*ت*ل بخطة محكمة نفذت في الطريق العام عندما قاد محسن زاده سيارته بواسطة مدفع روبوت رشاش مرتبط بالأقمار الاصطناعية ومتحكم به عن بعد آلاف الأميال . أطلق وابل من الرصاص على الهدف المقصود بكل دقة ، فارداه قتيلا في الحال . وكان أكبر خسارة علمية لإيران .
عند نشوب الحرب الحالية بين أمريكا واس*رائ*يل من جهة وإيران من جهة أخرى، وصلت معلومات دقيقة الى المخابرات الأمريكية والإ*سر*ائي*لية عن مكان تواجد المرشد الأعلى علي خامنئي مع أكثر من ثلاثين عنصرا من كبار قادة إيران السياسيين والعسكريين . مع تحديد إحداثيات ذلك المقر . فكانت تلك فرصة لا يمكن ضياعها ، فصدرت الأوامر فورا لطائرات الشبح الأمريكية والإ*سر*ائي*لية لدك هذا المقر بأثقل انواع القنابل الخارقة للتحصينات العميقة . فق*ت*ل المرشد الأعلى وجميع من كان معه في الإجتماع تحت الأرض بالضربة الأولى ، وسبب هذا القصف ارباكا شديدا لمفاصل الدولة في إيران وقادتها العسكريين والسياسيين.
لم يكن مق*ت*ل خامنئي اغتيالا سياسيا بل زلزالا هز مركز المقاومة في الشرق الأوسط برمته استراتيجيا .
لم يكن خامنئي رئيسا تقنيا او سياسيا ، بل كان المؤسسة الجامعة المسيطر على كل مؤسسات إيران السياسية والعسكرية والحرس الثوري، وكان المرجعية والبوصلة التي توحد شبكة هائلة من الفصائل والدول الموالية الممتدة من طهران الى بيروت ومن صنعاء الى بغداد .
غياب هذه الشخصية المركزية في هذا التوقيت وفي أول يوم من الحرب ضد إيران خلق فراغا قاتلا .
هذا الإغتيال في ظروف الحرب سيصعّب اختيار المرشد البديل لقيادة الدولة والوكلاء المرتبطين بإيران وبالسرعة اللازمة لتدبير أمور الحرب والقتال في وسط نظام مخترق استخباراتيا حتى النخاع.
من يثق بمن ؟ حين يعلم اي مسؤول ايراني او يشك أن زميله في الحرس الثوري او مستشاره الأمني قد يكون جاسوس للعدو ، وهو ربما من يكون قد اعطى احداثيات مقر المرشد لقصفه مع كبار قادة الدولة ، فكيف تسير أمور الدولة فيما بعد ، وقد يكون هذا المسؤول الهدف القادم لصواريخ العدو بسبب الخيانة وعدم الثقة . لقد اهتزت الثقة بين رجال الدولة الإيرانية ، وساد الشك بالجميع وباتوا في حيرة من أمرهم وهم يرون كبار قادة الدولة العسكريين والسياسيين والعلماء يتساقطون الواحد بعد الآخر في أيام قليلة يضربات دقيقة جدا لا تخطئ الهدف ، ومن يعين خلفا للقائد المقتول، يُق*ت*ل هو الآخر بعد استلامه منصبه الجديد. لقد قـُتل رئيس الحرس الثوري ، ورئيس جهاز الإستخبارات العسكرية ومساعده وق*ت*ل وزير الدفاع ورئيس الأركان العامة وقائد القوات البحرية وقائد القوات الجو فضائية و قائد الباسيج … فمن بقي منهم يقود الجيش والقوات المسلحة لمواصلة الحرب ؟
لعبت الإستخبارات الإ*سر*ائي*لية و عناصر الموساد داخل إيران وخارجها بكل كفاءة ودقة في ارسال المعلومات الى دوائر اتخاذ القرار لتوجيه الطائرات القاصفة و القاذفة والمقاتلة لتفريغ قنابلها وصواريخها على الأهداف المنتقاة بكل دقة ونجاح . وكان قادة الجيش والاستخبارات والباسيج والحرس الثوري الإيراني صيدا سهلا لتلك القذائف الموجهة بدقة عالية وتكنولوجيا متقدمة ، فتم التخلص من قادة الصف الأول والثاني في إيران .
الإمبراطوريات لا تسقط فقط بالجيوش الجرارة على الحدود كما كان سابقا ، بل تسقط بالتكنولوجيا المتقدمة و حين يفتح الحراس الأبواب المغلقة أمام العدو الخفي .
خامنئي لم يكن الهدف الأول في هذه الحرب القاسية ، والمؤكد أنه لا يكون الصيد الأخير في عالم تحكمه الذئاب والتكنلوجيا والذكاء الإصطناعي .
السؤال الآن لم يعد من ق*ت*ل أمس ، بل من سيكون الضحية القادمة ؟
صباح ابراهيم
24/03/2026