الحوار الهاديء

هل تملك إيران “زر إيقاف” الإنترنت العالمي؟

رمزي ميركاني
في العقود الماضية، كان مضيق هرمز يُعرف دولياً بأنه “شريان الطاقة العالمي”، حيث تترقب العواصم الكبرى حركة ناقلات النفط عبر مياهه لضمان استقرار أسواق الوقود. لكن اليوم، تكتسب هذه البقعة الجغرافية الضيقة أهمية من نوع آخر؛ فهي ليست مجرد ممر للنفط، بل هي جسر حيوي لنبض البيانات العالمي. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، يبرز تساؤل مقلق: هل تستطيع إيران، بحكم موقعها الجغرافي، أن تقطع الإنترنت عن العالم؟
من الناحية التقنية الصرفة، لا توجد دولة في العالم، مهما بلغت قوتها السيبرانية أو العسكرية، تملك “زر إيقاف” للإنترنت العالمي. يعود ذلك إلى الطبيعة البنيوية للشبكة العنكبوتية التي صُممت لتكون “لامركزية”. فالإنترنت ليس جهازاً مركزياً يمكن نزع قابسه، بل هو شبكة موزعة من آلاف المسارات المترابطة.
تعتمد الشبكة على مبدأ “التكرار” (Redundancy) والمرونة التقنية؛ ففي حال تعطل مسار معين، تقوم أنظمة التوجيه الذكية بإعادة توزيع حركة البيانات تلقائياً عبر مسارات بديلة. ورغم أن دولاً مثل كوريا الشمالية تعيش في عزلة رقمية، أو أن مصر شهدت انقطاعاً كلياً في عام 2011، إلا أن هذه الحالات تظل انقطاعات “داخلية” لا تؤثر على هيكلية الإنترنت في بقية أنحاء العالم.
رغم استحالة إطفاء الإنترنت عالمياً، إلا أن استهداف الكابلات البحرية في نقاط الاختناق مثل مضيق هرمز يمكن أن يحدث اضطراباً هائلاً. يمر عبر هذا الممر الضيق ما لا يقل عن 7 كابلات رئيسية للألياف الضوئية، تعد بمثابة العمود الفقري للاتصالات بين الشرق والغرب. من أبرز هذه الكابلات:
– كابل آسيا أفريقيا أوروبا 1 (AAE-1).
– شبكة فالكون (Falcon).
– نظام كابلات جسر الخليج الدولي (GBICS).
– كابل “سي مي وي 6” (SeaMeWe-6) العملاق.
هذه الكابلات تنقل نحو 30% من حركة الإنترنت بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وتدعم 97% من اتصالات المنطقة. إن أي ضرر يلحق بها، سواء كان متعمداً أو ناتجاً عن حوادث عرضية، سيؤدي إلى تباطؤ حاد واضطرابات في الخدمات الرقمية تمتد آثارها من سنغافورة إلى لندن.
إذا قررت إيران قطع هذه الكابلات، فإنها تدخل في سيناريو يشبه “الا*نت*حا*ر الرقمي”. فأول المتضررين سيكون الداخل الإيراني؛ حيث سيُعزل أكثر من 90 مليون مستخدم عن الشبكة العالمية، مما يؤدي إلى شلل كامل في القطاع المصرفي، حركة الطيران، والتجارة الخارجية. إقليمياً، ستعاني دول الجوار من اضطرابات متفاوتة، لكن عالمياً، سيكون التأثير “اقتصادياً” أكثر منه “تقنياً”. انقطاع البيانات يعني تعطل التحويلات المالية الدولية، وتوقف سلاسل التوريد الرقمية، وخسائر تقدر بعشرات الملايين من الدولارات في كل ساعة انقطاع.
لم يعد خطر انقطاع الكابلات محصوراً في تصفح المواقع، بل امتد ليشمل “الدماغ الرقمي” للعالم. تتوجه كبرى شركات التقنية مثل “ميتا” و”OpenAI” و”مايكروسوفت” لبناء مراكز بيانات ضخمة في دول الخليج العربي (خاصة الإمارات والسعودية) لدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي. انقطاع الكابلات البحرية في الخليج يعني توقف تدفق البيانات من وإلى هذه المراكز، مما قد يعطل خدمات أدوات الذكاء الاصطناعي مثل “ChatGPT” عالمياً إذا كانت تعتمد على معالجة البيانات في تلك المراكز. هذا التشابك يجعل من أمن الكابلات في مضيق هرمز قضية أمن قومي تهم واشنطن وسيليكون فالي بقدر ما تهم دول المنطقة.
أمام هذه التهديدات، تبرز خدمات الإنترنت الفضائي مثل “ستارلينك” كبديل استراتيجي. تتميز هذه الشبكات بعدم حاجتها لبنية تحتية أرضية أو بحرية معقدة، مما يجعلها عصية على القطع المادي. ومع ذلك، يظل هذا الحل محفوفاً بالمخاطر السياسية؛ فبيانات الدول ستصبح تحت رحمة شركات خاصة أو قوى خارجية، وهو ما يرفضه الكثير من الفاعلين الدوليين، بما في ذلك إيران نفسها التي تخشى من اختراق سيادتها الرقمية عبر هذه الأقمار.
في الختام، يتبين أن التهديد الإيراني بقطع الإنترنت هو “ورقة ضغط سياسي” أكثر من كونها قدرة تقنية على شل العالم. إن الطبيعة المترابطة للاقتصاد الرقمي تعني أن من يكسر الكابلات سيحطم نافذته الخاصة على العالم أولاً. إن العالم الرقمي اليوم لا يتوقف عند حدود جغرافية، ورغم أن مضيق هرمز يظل نقطة ضعف في البنية التحتية، إلا أن قوة الإنترنت تكمن في قدرته على الالتفاف حول الأعطال. ومع ذلك، يبقى الدرس الأهم هو ضرورة تنويع مسارات البيانات الدولية وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق، لضمان أن يظل نبض المعلومات بعيداً عن صراعات الممرات المائية.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى