مقالات دينية

وحدانية الثالوث الأقدس

وردا اسحاق

 

 

وحدانية الثالوث الأقدس

بقلم / وردا إسحاق قلّو

الثالوث الأقدس عقيدة إيمانية مسيحية تؤكد أن الله قائم بذاته ، له ثلاث صفات  ، تسمى ( أقانيم ) تميز عن بعضها في خصائص ، وهذه الأقانيم هي ( الله الآب و الله الأبن ” كلمته وحكمته ” والله الروح القدس ) أي إله واحد في ثلاث صفات ولله جوهر واحد غير مقسم ، بل موحد في وحدانية أزلية أبدية . لم يكن هناك آب قبل الأبن ( أي بدون كلمة ، بدون نطق وحياة ) وكذلك لم يكن ولو للحظة بدون الروح . إذاً الله موجود منذ البدء بأقانيم ثلاثة موحدة لإله واحد . ولهذه الأقانين وظائف وأعمال ، ففي بعض الأعمال ينسب اللاهوت بعضها للآب فيقول الآب أرسل الأبن ، وبعضها تنسب للأبن ، وأخرى للروح القدس . فمثلا ، قيل الآب يختار ويدعو ، والأبن يفدي ليدفع الثمن ، والروح القدس يجدد ويقدس ويغيير .

العهد القديم يؤكد لنا أيضاً بأن الله هو ثالوث ، وهذا ما وضحه أشعياء النبي قبل المسيح بسبعمائة سنة ( طالع أش 48: 16 و 1:42 ) كذلك ( روح السيد الرب ( الآب والروح القدس ) عليّ ( الأبن ) مسحني لأبشر المساكين . أرسلني لأعصب منكسري القلوب ، لأنادي ( الأبن )  للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق ) ” أش 1:61″ .

اليهود في العهد القديم لن يصلوا إلى فهم هذا السر فظلوا لحد اليوم على أيمان أجدادهم بأن الله هو واحد مجرد من الأقانيم ، وفي العهد الجديد صار هذا السر واضحاً بعد بشارة المسيح والأناجيل المقدسة سردت لنا بكل وضوح بأن الله ثالوث ، فالبشير مرقس بدأ أنجيله بتوضيح هذا السر في معمودية المسيح . وليس اليهود وحدهم ، بل طائفة شهود يهوه المنشقة من المسيحية والمستقلة لذاتها والبعيدة عن كل المذاهب المسيحية يشاطرون اليهود بعدم الأيمان ، يحملون أفكار وآراء وتفاسير لا تتفق مع كل ما موجود في المسيحية . يتصرفون حسب عقولهم محاولين إخضاع الله وكتابه المقدس وكل المؤمنين لأفكارهم البشرية المحدودة ، يعملون ضد كل المعتقدات المسيحية . ففي موضوع عقيدة الثالوث الأقدس نجدهم يرفضون هذه العقيدة بشدّة مُدَعين بأنه فُرِضَ على المسيحية في المجمع النيقي عام 325م من قبل الأمبراطور قسطنطين عندما آمن بالمسيحية . يقولون ، التثليث الالهي وثني سبق المسيحية فكان موجوداً لدى البابليين والمصريين والهندوس . لكن في الحقيقة لا علاقة بين الثالوث المسيحي الذي يشكل إله واحد وبين الثالوث الوثني الذي كان يتكون من ثلاث آلهة مستقلة ، فثالوث المسيحية ليس من إبداع قسطنطين أو غيره ، بل أعلنته الكنيسة المقدسة وفق الآيات الكثيرة و البارزة الموجودة في الكتاب المقدس . أي إنه ليس من صنع البشر ، بل هومعلن علناً من قبل الله في آيات صريحة وواضحة مثبتة في عهدي الكتاب المقدس . أجل آيات كثيرة تثبت لنا بأن هناك ثلاث صفات جوهرية في الطبيعة الإلهية الواحدة .

الكتاب المقدس كشف تدريجياً عن سر الله الشخصي ، فالله موجود في صيغة جمع لا بصيغة مفرد ، لأنه ليس الله ( يهوه ) المجرد من الأقانيم بحسب أيمان شهود يهوه واليهود ، بل هو جماعة موحدة متحدة في كيان واحد ، لهذا نجده يتحدث بصيغة جمع منذ العهد القديم ومن الآية الأولى في سفر التكوين والتي تقول ( في البدء خلق الله ” ألوهيم ” السموات والأرض ) ” تك 1:1 ” هنا نجد ألوهيم هي بصيغة الجمع وترد كأسم لجلالة الإلهية ، نجدها في سفر التكوين الفصل الأول وفي سفر المزامير ( 41 أو 42 وكلك 71 أو 72 ) ومفرد ألوهيم هي ( أيلوه ) إذا المتحدث هو جمع وليس مفرد . كذلك نقرأ في نفس الفصل الآية ( وقال الله لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا ) ” تك 26:1 ” هنا نجد صيغة جمع أيضاً للمتكلم ، لهذا نقول لو كانت هذه الآيتين فقط تتحدث عن هذا الأمر لتركنا البحث عن الموضوع ، إلا أن هناك تدريج وتقدم نحو كشف هذا السر ، لكن نقرأ أيضاً آيات كثيرة في العهد القديم أيضاً تتحدث بصيغة جمع كالآية ( هوذا آدم قد صار كواحد منا ) ” تك 22:3″ . أما في ” تك 7:11″  يقول ( هلم ننزل ونبلل هناك لسانهم ) هنا المتحدث أيضاً جمع . أما أشعياء النبي فكتب لنا في ” 16:48 ” ( …كنت حاضراً هناك ” الإبن ” . والآن ، قد أرسلني السيد الرب ” الآب ” وروحه ” الروح القدس ” بهذه الرسالة ) بدأ الثالوث يتوضح أي وبحسب ترتيب الآية ( الأبن والآب والروح القدس ) وقد نجد الروح القدس أولا في بعض الآيات أو الآب في ألكثير من الآيات .

أما في العهد الجديد فالله وضح لنا مؤكداً مبدأ الثالوث الأقدس ، فيؤكد مبدأ آلوهية ووحدة الآب ، وكلمته ( الإبن ) وروحه القدوس ، فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة : الآب ، والكلمة ، والروح القدس ، صوره لنا البشير مرقس في بداية أنجيله في مشهد رائع عند عماد أبنه يسوع في نهر الأردن حيث أنفتحت السموات وأنكشف السر وبحسب النص ( وللوقت ، إذ صعد من الماء ، رأى السموات قد إنفتحت والروح القدس مثل حمامة قد نزل واستقر عليه ، وكان صوت من السماء قائلاً : أنت أبني الحبيب بك سررت )  صوت من السماء قائلاً : أنت أبني الحبيب بك سررت ) ” مر 10:1 ” فالصوت القائل أنت أبني لا يمكن أن يكون إلا صوت الآب . أي الآب في السماء والأبن على الأرض والروح القدس بين السماء والأرض . كذلك تكرر المشهد بصيغة أخرى على جبل التجلي .

في العهد الجديد نصوص كثيرة نجد فيها الثالوث الأقدس بكل وضوح ، منها وصية الرب يسوع لتلاميذه ( فأذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والأبن والروح القدس ) ” مت 19:28″ إنه كشف صريح وواضح لإله واحد في ثالوث أقدس والذي به يعتمد كل أتباع المسيح الحقيقيين وبحسب وصية الرب في ( مت 9:28 ) ، نفهم من لفظة ( بإسم ) بصيغة مفرد تدل على الطبيعة الإلهية الواحدة التي فيها يتبادل الأب والإبن والروح القدس حياة داخلية سرية صاخبة في المعرفة الكاملة ، والحب الدائم بينهم . نلاحظ لم يقل بأسماء ” الآب والإبن والروح القدس “ لأن الثلاثة هم واحد

أما في رسائل الرسل فنقرأ ( أسألكم أيها الأخوة بربنا يسوع المسيح وبمحبة الروح القدس أن تجاهدوا معي في الصلوات إلى الله من أجلي ” رو 30:15 ”  . أيضاً ( ولقد كان بعضكم كهؤلاء ولكنكم قد اغتسلتم وتقدستم وبررتم باسم ربنا يسوع المسيح وبروح إلهنا ) ” 1قور11:6 ” . أما البركة الرسولية للقديس بولس والتي يعطيها كل كاهن لرعيته بعد القداس الإلهي ، فيقول ( ولتكن معكم جميعاً نعمة ربنا يسوع المسيح ، ومحبة الله ، وشركة روح القدس . آمين ! ) ” 2 قور 13:13 ” . وهذه آية أخرى يظهر فيها الثالوث الإلهي ( وبما إنكم أبناء له ، أرسل الله إلى قلوبنا روح أبنه ” الذي هو روح الآب أيضاً ”  منادياً : أبا ، يا أبانا ) ” غل 6:4″ . وهذه نصوص أخرى في العهد الجديد عن وحدانية الثالوث ووحدة المسيح الكلمة مع الطبيعة الإلهية .

أما الرسول يوحنا فقد وضّحَ لنا الثالوث في هذه الآية ( فإن هناك ثلاثة شهود في السماء ، الآب والكلمة والروح القدس ، وهؤلاء الثلاثة هم واحد ) ” 1 يو 7:5 ” ( طالع كذلك الآية ” يو 14: 16 ، 26 ) كما كتب في سفر الرؤيا ” 15:11″ ( إن ملك العالم قد صار لربنا ولمسيحه فهو يملك ” لم يقل يملكان ” إلى دهر الدهور ) .

يكونون كهنة لله وللمسيح ويملكون معه ” لم يقل معهما ” ألف سنة ) ” رؤ 6:20 ” وسيكون فيها عرش الله والحمل ” لم يقل عرش الله والحمل بالمثنى لأنهما واحد ” فيعبده عباده ” لم يقل يعبدهما عبادهما ” وينتظرون وجهه ” لم يقل وجههما ” . شهود يهوه حَرفوا هذه الآية في ترجماتهم الرسمية ويترجمون بدل ” يعبده عباده ” أي المسيح الرب ، إلى ” يؤدون له خدمة مقدسة ” مع أن الفعل اليوناني يعني يعبدون وليس يؤدون .

أخيراً نقول : غاية رفض شهود يهوه لعقيدة الثالوث الأقدس مخالفين تعاليم الكتاب المقدس ، وكل المذاهب المسيحية التي تؤمن بهذه العقيدة هو لكي يقفوا جنباً إلى جنب مع اليهود الذين لم يفهموا هذا السر الموجود في أسفار العهد القديم أيضاً .

سؤال يفرض نفسه ويقول : الرب يسوع قال ( .. وعمدوهم باسم الآب والأبن والروح القدس ) إذاً باسم من يتعمدون شهود يهوه ؟

 ليمجد الله بثالوثه المقدس

0 0 تصويت
1 تقييم المقال 5

مقالات ذات صلة

Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x
إغلاق