من التأجيل إلى الاستسلام: لماذا أصبح الاتفاق بين
أبو بكر ابن الأعظمية
كاتب وصحفي.
التصريح الأخير الصادر عن وزارة الخارجية الإيرانية بأن “التوقيع على مذكرة التفاهم لن يكون غداً، لكنه ليس مستبعداً في الأيام المقبلة”، لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد السياسي والعسكري المعقد الذي يحيط بالعلاقة بين واشنطن وطهران. فمثل هذه التصريحات لم تعد جديدة على المتابعين للملف الإيراني، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية إيرانية تقوم على كسب الوقت وإدارة الأزمات أكثر من كونها سعياً حقيقياً نحو الحسم.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: متى سيتم التوقيع؟ بل: هل ما زالت هناك أرضية سياسية تسمح أصلاً بولادة اتفاق جديد؟
سياسة الوقت… السلاح الإيراني الأقدم
منذ أكثر من عقدين، أتقنت طهران لعبة التفاوض الطويل. فهي تدرك أن الوقت بالنسبة لها ليس عاملاً محايداً، بل ورقة قوة. كل جولة تفاوض جديدة تمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وشراء مزيد من الوقت أمام خصومها.
ولهذا السبب، كثيراً ما شهدنا تصريحات متناقضة:
مرة الحديث عن تقدم كبير.
ومرة الحديث عن عقبات فنية.
ومرة أخرى عن قرب التوصل إلى تفاهم.
لكن النتيجة النهائية كانت دائماً تأجيل الحسم.
واشنطن لم تعد كما كانت
المشكلة التي تواجه إيران اليوم أن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الملف الإيراني بالطريقة التي كانت تنظر إليه قبل سنوات.
فالإدارة الأمريكية باتت تدرك أن أي اتفاق لا يتضمن ضمانات حقيقية بشأن:
البرنامج النووي.
الصواريخ الباليستية.
النفوذ الإقليمي.
دعم الجماعات المسلحة في المنطقة.
سيكون مجرد هدنة مؤقتة وليس حلاً دائماً.
ولهذا فإن مساحة المناورة الإيرانية أصبحت أضيق بكثير مما كانت عليه سابقاً.
معضلة النظام الإيراني
المأزق الحقيقي لا يكمن في واشنطن، بل في طهران نفسها.
فأي تنازل كبير تقدمه القيادة الإيرانية في الملفات الاستراتيجية سيُفسَّر داخلياً على أنه تراجع أمام الضغوط.
وأي رفض للتنازل يعني استمرار العقوبات والضغوط والتوترات الإقليمية.
وبالتالي فإن النظام الإيراني يجد نفسه أمام معادلة صعبة:
التوقيع بشروط قاسية قد يُنظر إليه كاستسلام سياسي.
والرفض قد يقود إلى مزيد من العزلة والاستنزاف.
لذلك تبدو سياسة التأجيل هي الخيار الأقل كلفة في الوقت الراهن.
لماذا يتراجع الحديث عن الاتفاق؟
السبب بسيط: لأن الخلافات الجوهرية ما زالت قائمة.
فالولايات المتحدة تريد تغييراً في السلوك والسياسات.
بينما تريد إيران رفع الضغوط والعقوبات مع الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أوراق القوة.
وهنا تكمن العقدة الأساسية.
فلا واشنطن مستعدة لمنح مكاسب مجانية، ولا طهران مستعدة لتقديم تنازلات استراتيجية واسعة.
ولهذا تبدو مسافة الخلاف أكبر من مسافة التفاهم.
ما الذي قد يحدث فعلاً؟
السيناريو الأكثر واقعية اليوم ليس توقيع مذكرة تفاهم شاملة، بل استمرار المفاوضات المتقطعة والرسائل السياسية المتبادلة ومحاولات إدارة الأزمة دون الوصول إلى حل نهائي.
أما الاتفاق الحقيقي والدائم، فلن يولد من طاولة تفاوض تبحث عن هدنة مؤقتة، بل من تسوية شاملة تعالج جذور الصراع وأسباب التوتر الممتدة منذ عقود.
ولهذا يرى كثير من المراقبين أن الحديث المتكرر عن توقيع قريب لم يعد سوى جزء من معركة سياسية وإعلامية تهدف إلى إبقاء الأبواب مفتوحة، دون وجود قرار نهائي بالحسم.
الخلاصة
إن إعلان طهران تأجيل التوقيع مرة أخرى لا يعكس مجرد تأخير إجرائي، بل يكشف عمق الخلافات القائمة بين الطرفين. فكلما اقتربت ساعة القرار، ظهرت العقبات الحقيقية التي تجعل الوصول إلى اتفاق شامل أكثر صعوبة.
ولذلك فإن الاحتمال الأقرب في المرحلة الحالية ليس ولادة مذكرة تفاهم تاريخية، بل استمرار حالة الشد والجذب بين الطرفين، إلى أن تفرض الوقائع السياسية والعسكرية معادلة جديدة قد تنتهي باتفاق مختلف تماماً، أو بمرحلة جديدة من الصراع تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.