الحوار الهاديء

الايزيديات في اقفاص النيران

في قلب الظلام الذي خيّم على الموصل، وتحديدًا في الثاني من حزيران عام 2016، لم يرتكب تنظيم د*اع*ش الار*ها*بي ج#ريم*ة ق*ت*ل فحسب، بل نحت مشهدًا بدائيًا من الوحشية المتخيلة، حين أقدم على حرق تسع عشرة امرأة وفتاة إيزيدية وهن أحياء داخل أقفاص حديدية.

لم تكن هذه الج#ريم*ة حدثًا عابرًا في سجل الار*ها*ب الأسود، بل كانت مختبرًا مكثفًا للعقلية التي تقف خلف هذه الأفعال؛ عقلية أبناء الفئة الهجينة وشذاذ الآفاق من المجرمين والذباحين ، والق*ت*لة الحاقدين على مكونات الأمة العراقية الأصيلة، والساعين لتدمير نسيجها الاجتماعي عبر ممارسة الإبادة كطقس علني.
لم تختر هؤلاء النسوة الموت حتفًا، بل اخترنه مقاومةً، بعد أن رفضن رفضًا قاطعًا الانصياع لمنظومة الاستعباد الجنسي التي أقامها التنظيم، والتحول القسري عن معتقدهن.
كان رفضهن بمثابة حكم إعدام صدر من محكمة العدميين… ؛ إن احتجازهن داخل أقفاص حديدية وإحراقهن أمام أنظار المارة، لم يكن مجرد إعدام، بل كان طقسًا ار*ها*بيًا مركبًا أراد له المنفذون أن يكون رسالة رعب متعددة الطبقات. القفص هنا ليس مجرد أداة حبس، بل هو استعارة مادية لوحشية العقل الظلامي التكفيري الذي يسعى إلى تجريد الضحية من إنسانيتها وتحويلها إلى “شيء” يمكن امتلاكه، ثم التلذذ بإفنائه علنًا.
من منظور التحليل النفسي للعقل الار*ها*بي، تكشف هذه الج#ريم*ة عن مزيج سام من السادية الجماعية والشعور العميق بالدونية.. , هؤلاء المجرمون، الذين يرفعون شعارات دينية زائفة، يمارسون عن*فهم انطلاقًا من حقد دفين على “الآخر” الذي يرفض الخضوع لهم.
إن إحراق النساء على مرأى من الناس هو اعتراف ضمني بالعجز عن اختراق جوهرهن الروحي، فلم يجدوا سوى النار لتطهير عارهم الذكوري المزعوم.
إنها ج#ريم*ة تعكس انهيار كل الضوابط الأخلاقية لدى “شذاذ الآفاق” الذين لا ينتمون لأي أمة أو حضارة، بل هم نتاج هجين لثقافة الكراهية والموت والاغتراب.
وعلى المستوى الاجتماعي، كانت هذه الج#ريم*ة استمرارًا لسياسة ممنهجة بدأت في آب 2014 مع اجتياح سنجار، حيث وثقت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ولجنة التحقيق الدولية ما أقرته الأمم المتحدة لاحقًا بأنه إبادة جماعية.
لقد أنشأ التنظيم منظومة متكاملة للاستعباد الجنسي، شملت البيع والنقل القسري. كانت حادثة الحرق تتويجًا لهذه المنظومة، ورسالة دموية بأن ثمن الكرامة هو الموت حرقًا.
لكن هذه الوحشية، بدلًا من أن تكسر الإرادة الإيزيدية، حولت الضحايا إلى أيقونات للصمود، وأظهرت للعالم أن الأمة العراقية الأصيلة تُستهدف في أكثر رموزها نقاءً.
أما على الصعيد السياسي والقانوني، فإن الج#ريم*ة تتحول إلى مرآة تعكس فشل المجتمع الدولي… ؛ فبينما كانت النسوة تُحرقن، كان مجلس الأمن واليونسكو والمنظمات الحقوقية الدولية تراوح في صمتها المطبق.. ؛ هذا الصمت ليس مجرد عجز، بل هو شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر الذي ما زال يغذي مثل هذه التنظيمات.
ورغم أن البرلمان العراقي أقر قانون الناجيات الإيزيديات عام 2021، وعمل فريق التحقيق الأممي (UNITAD) على جمع الأدلة، إلا أن أسئلة جوهرية تبقى دون إجابة: أين ذهبت رفات هؤلاء النسوة؟
ومن هم الجناة الذين نفذوا هذا الفعل بأيديهم وبأمر من؟
ولماذا لا نرى محاكمات محددة وعلنية متصلة بهذه الواقعة بالذات، مما يترك الملف يراوح بين الذاكرة الشفوية والوثائق المبعثرة؟
إن التحدي الأعظم في مرحلة ما بعد د*اع*ش هو معركة إثبات الوقائع ذاتها.. , كثير من الأدلة ضاع في حروب التحرير بين عامي 2016 و2017، وبقي مصير آلاف المختطفات مجهولًا.
إن عرقلة مسار العدالة الكاملة يشير إلى فجوة خطيرة بين هزيمة التنظيم عسكريًا وهزيمة منظومته الفكرية والإجرامية.
بالنسبة لعوائل الضحايا، وللذاكرة العراقية الجمعية، يبقى حرق التسع عشرة امرأة إيزيدية في أقفاصهن ليس مجرد خبر صحفي قديم، بل شرخ عميق في جدار الإنسانية، وشهادة دامغة على أن “الفئة الهجينة والمنكوسة” من المجرمين الحاقدين لم تحمل السلاح ضد بشر فقط، بل حملته ضد فكرة الحياة والتعايش ذاتها.
الكشف عن الحقيقة الكاملة لهذه الج#ريم*ة، ومحاسبة من خططوا لها ونفذوها، لم يعد مجرد مطلب قانوني، بل هو اختبار حقيقي لبقاء ضمير هذا العالم، إن كان له ضمير.
إن ج#ريم*ة إحراق النساء الإيزيديات في الموصل ليست مجرد صفحة سوداء في سجل الار*ها*ب، بل شهادة دامغة على ما يمكن أن تفعله الكراهية حين تتحول إلى عقيدة، والتعصب حين يتحول إلى سلطة، والجهل حين يتسلح بالعن*ف.. ؛ وهي تذكير دائم بأن حماية التنوع العراقي ليست مهمة تخص مكوناً بعينه، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تقع على عاتق جميع العراقيين.
فالإيزيديون، كما سائر مكونات العراق التاريخية، ليسوا هامشاً في قصة الوطن، بل جزء أصيل من روحه وهويته وذاكرته.. , ومن هنا فإن إنصافهم وإنصاف ضحايا الار*ها*ب جميعاً هو دفاع عن العراق نفسه، وعن حق الإنسان في أن يعيش حراً وآمناً ومختلفاً من دون خوف من نار التعصب أو سكاكين الكراهية.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى