أوكسجين الحرية: بين الحرب والسجن الذي نحمله في داخلنا – مظهر
هل الحرية حقاً هي غياب القيود، أم أنها حالة داخلية يعيشها الإنسان حتى في أكثر الظروف قسوة؟
ظل هذا السؤال يرافقني لسنوات طويلة، منذ الأيام الأولى التي أعقبت حرب احتلال العراق في العام 2003، مروراً بمحطات العمل والسفر والمسؤولية، وصولاً إلى لحظات وجدت نفسي فيها أبحث عن الحرية من خلف القضبان. ومع مرور الزمن أدركت أن الحرية ليست مفهوماً سياسياً فحسب، بل تجربة إنسانية معقدة تتجاوز حدود المكان والزمان، وأن أخطر السجون ليست دائماً تلك التي تُبنى من الحديد والحجارة، بل تلك التي تستقر في داخل الإنسان نفسه.
بعد سنوات من التأمل والقراءة، وجدت أن ما عشته يلتقي بصورة مدهشة مع أفكار عدد من كبار المفكرين والكتاب. ففي رواية جورج أورويل George Orwell التي كان عنوانها (1984 -Nineteen Eighty-Four)
يصور الكاتب عالماً لا تكتفي فيه السلطة بالسيطرة على الأجساد، بل تسعى إلى احتلال العقول وإعادة تشكيل الحقيقة ذاتها. وفي كتابات Czesław Miłosz تشيسواف ميلوش ولاسيما – “The Captive Mind أو العقل المعتقل”، نجد تحليلاً عميقاً لكيفية استسلام المثقف للأيديولوجيا حتى يصبح شريكاً في سجنه الفكري. أما دوريس ليسينغ Doris Lessing في كتابها “Prisons We Choose to Live Inside” أو “السجون التي نختار أن نعيش فيها”، فتذهب أبعد من ذلك حين ترى أن الإنسان كثيراً ما يشارك بنفسه في صناعة القيود التي تحد من حريته، خوفاً من العزلة أو رغبة في الانتماء إلى الجماعة.
هذه الأفكار لم تكن بالنسبة لي مجرد قراءات ثقافية، بل مفاتيح لفهم محطات من حياتي الشخصية.
كان ذلك في صيف العام 2003. كانت البلاد يحينها تخرج من حرب مدمرة، بينما ما زالت آثار الحصار والخوف والفوضى العسكرية تهيمن على تفاصيل الحياة اليومية. وفي خضم تلك الأجواء تلقيت تكليفاً بالسفر إلى المملكة المتحدة للمشاركة في مهمة تتعلق بفحص العملة الوطنية الجديدة التي كانت تُطبع هناك استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب.
أتذكر جيداً ذلك اليوم الذي قيل لي فيه إن عليّ المغادرة فوراً. كانت البلاد تبدو وكأنها تقف على حافة مجهول كبير، لكن الإحساس العام كان أن إعادة البناء تتطلب من الجميع تجاوز الخوف والانخراط في العمل. وبينما كنت أستمع إلى كلمات المسؤول الذي اتخذ القرار، شعرت أن ما ينتظرنا لم يكن مجرد مهمة وظيفية، بل محاولة جماعية للخروج من أنقاض الحرب نحو أفق جديد.
وصلت إلى لندن، وغادرت الفندق عصراً قبل أن أبدأ عملي الرسمي. سرت في شارع فيكتوريا بهدوء لم أعرفه منذ سنوات طويلة. كان المشهد مختلفاً تماماً عن المشاهد التي تركتها خلفي. لا أصوات انفجارات، ولا رائحة دخان، ولا وجوه يطاردها القلق. وفي تلك اللحظات دخلت إحدى المكتبات الكبيرة، وهناك انتابني شعور غريب ومفاجئ: شعرت أنني أتنفس الحرية.
لم تكن الحرية هنا شعاراً سياسياً أو خطاباً أيديولوجياً، بل إحساساً بسيطاً وعميقاً بأن الإنسان يستطيع أن يسير دون خوف، وأن يختار كتاباً من رف مكتبة دون أن ينشغل بما ينتظره في الخارج.
وقعت عيناي يومها على أعمال الاقتصادية البريطانية جوان روبنسون Joan Robinson، وتحديداً كتابها “Economic Heresies” الصادر عام 1971. كانت روبنسون، إحدى أبرز رموز مدرسة كامبردج الاقتصادية، ترى أن العدالة الاجتماعية ليست نقيضاً للحرية، بل شرطاً من شروطها الأساسية. ومن خلال دفاعها عن أفكار جون مينارد كينز John Maynard Keynes أكدت أن الحرية الاقتصادية لا يمكن اختزالها في غياب تدخل الدولة، بل ينبغي أن تقترن بقدرة المجتمع على حماية الإنسان من الفقر والبطالة والتهميش.
هناك، بين رفوف الكتب، أدركت أن الحرية ليست مجرد تحرر من القيود السياسية، بل أيضاً شعور بالأمان والكرامة وإمكانية الاختيار.
وفي خريف عام لاحق، قادتني ظروف العمل إلى واشنطن. وبينما كنت أعبر أحد الجسور، استوقفني رجل أسود البشرة بدا عليه الفقر والتعب، وطلب مني دولاراً واحداً فقط. منحته ما أراد، ومضيت أفكر في المفارقة العجيبة. كنت في عاصمة واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم، ومع ذلك كان الفقر يحاصر إنساناً يقف أمامي على قارعة الطريق.
واصلت السير حتى وصلت إلى حي جورج تاون Georgetown، حيث دخلت مكتبة “Barnes & Noble”. وهناك وجدت نفسي مرة أخرى محاطاً بفيض من الكتب والأفكار. وبين أقسام الفلسفة والأدب عادت الحرية لتفرض حضورها في ذهني.
استوقفتني أفكار جان بول سارتر Jean-Paul Sartre في كتابه “Being and Nothingness”، حيث يرى أن الإنسان “محكوم بالحرية”، وأن الاختيار ليس امتيازاً بل قدر لا يمكن الهروب منه. كما حضرت في ذاكرتي تأملات هنري ديفيد ثورو Henry David Thoreau في كتاب “Walden”، حيث دعا إلى التحرر من عبودية الأشياء والعودة إلى جوهر الحياة. وتذكرت أيضاً ألبير كامو Albert Camus في “The Myth of Sisyphus”، حين ربط الحرية بقدرة الإنسان على مواجهة عبث العالم دون استسلام.
في تلك اللحظة فهمت أن الحرية ليست مكاناً نصل إليه، بل وعياً نكتسبه.
غير أن الحياة لا تسير دائماً في اتجاه واحد. فمع مرور السنوات تكاثرت المسؤوليات، وتكاثرت معها خيبات الأمل. وكان أشدها قسوة تلك التي جاءت من بعض الأصدقاء الذين ظننتهم شركاء درب، فإذا بهم يتحولون إلى عبء يضيق معه الأفق وتتراجع معه الطمأنينة.
وحين وجدت نفسي في ظروف قاسية انتهت بي إلى خلف القضبان، عدت أطرح السؤال ذاته: أين الحرية الآن؟
هناك تذكرت الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل Viktor Frankl في كتابه الشهير “Man’s Search for Meaning”. فقد كتب فرانكل، مستنداً إلى تجربته في معسكرات الاعتقال النازية، أن الإنسان قد يُحرم من كل شيء تقريباً، لكنه يحتفظ دائماً بحريته الأخيرة: حرية اختيار موقفه من الظروف التي يواجهها.
في تلك اللحظات فهمت ما كان يقصده. فقد اكتشفت أن السجن قد يقيّد الجسد، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يقيّد العقل أو الإرادة. وتذكرت أيضاً نيلسون مانديلا Nelson Mandela في مذكراته “Long Walk to Freedom”، حين وصف كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على حريته الداخلية رغم سنوات السجن الطويلة.
عندها أدركت أن الحرية التي شعرت بها في لندن، ثم في واشنطن، لم تكن مختلفة كثيراً عن الحرية التي حاولت التمسك بها خلف القضبان. ففي الحالات الثلاث كانت الحرية مرتبطة بشيء أعمق من المكان: كانت مرتبطة بقدرة الإنسان على أن يبقى وفياً لنفسه، وأن يحافظ على استقلال فكره رغم كل الضغوط.
ولهذا أجدني أعود إلى أفكار حنة أرندت Hannah Arendt وميشيل فوكو Michel Foucault. فقد رأت أرندت أن أخطر ما تفعله الأنظمة الشمولية هو تدمير قدرة الإنسان على إصدار حكم مستقل. بينما أوضح فوكو أن السلطة لا تعمل دائماً من خلال القهر المباشر، بل من خلال جعل الأفراد يراقبون أنفسهم بأنفسهم.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فالسجن الحقيقي ليس دائماً خارجنا، بل قد يسكن داخلنا. قد يكون خوفاً أو تبعية أو وهماً أو خيانة أو استسلاماً لصوت الجماعة. ولذلك فإن الحرية ليست حدثاً سياسياً يقع مرة واحدة، وليست هدية تمنحها السلطة للمواطنين، بل معركة يومية يخوضها الإنسان مع نفسه قبل أن يخوضها مع الآخرين.
واليوم، عندما أستعيد تلك الرحلة الممتدة بين شارع فيكتوريا في لندن، وأزقة جورج تاون في واشنطن، وأحد شوارع بغداد، ثم خلف القضبان، أجد أن ما بقي في الذاكرة ليس تفاصيل الأماكن بقدر ما بقي ذلك الإحساس النادر الذي داهمني في لحظات متفرقة: إحساس أنني أتنفس الحرية.
وربما لهذا السبب يبدو السؤال أكثر أهمية من الجواب نفسه..!
هل نتنفس الحرية فعلاً؟ أم أننا نمضي أعمارنا كلها بحثاً عن أوكسجينها، بينما نحمل سجوننا معنا أينما ذهبنا؟
ختاماً، لقد تنفست الحرية في لندن، وتنفستها في واشنطن، وحاولت أن أتنفسها من خلف القضبان. وعند نهاية الرحلة أدركت أن الحرية ليست في اتساع المكان، بل في اتساع الروح. فالسجون قد تحاصر الجسد، أما العقل الذي يحتفظ بقدرته على التفكير والأمل واختيار موقفه من الحياة، فيظل قادراً على أن يتنفس الحرية.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.