مقالات

كوبا والصين… شراكة تحت الشمس تكسر الحصار الأمريكي – جهاد

​منذ إطاحة فيدل كاسترو ورفاقه بنظام “باتيستا” عام 1959، لم تغفر واشنطن للجزيرة المتمردة خروجها عن بيت الطاعة. وقد تحولت الضغوط السياسية سريعاً إلى مواجهة عسكرية ومحاولات غزو فاشلة، أبرزها عملية “خليج الخنازير” عام 1961، مما دفع هافانا للتحالف استراتيجياً مع الاتحاد السوفياتي. بلغ هذا التحالف ذروته إبان أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي انتهت بتسوية أبعدت شبح الحرب الشاملة. ورغم تجنب الغزو المباشر، استعاضت واشنطن عنه بأطول حصار اقتصادي وتجاري في التاريخ الحديث. ومع تعاقب العقود، ظل الحصار آلة تجويع تتطور باستمرار، لاسيما في عهد الرئيس، دونالد ترامب، الذي أضاف أكثر من 240 عقوبة جديدة. أدت هذه التراكمات إلى تدهور تدريجي وخانق في قطاع الطاقة الكوبي، مما دفع هافانا مبكراً، وقبل انهيار إمدادات حلفائها بالكامل، للبحث الجاد عن استقلال طاقي شامل لا يخضع لابتزاز المحيطات.
​وحشة العتمة والعزلة
​لقد استشرفت كوبا الخطر المحدق بشرايينها النفطية، وبدأت فعلياً بالبحث عن بدائل استراتيجية. وفي قلب وحشة العتمة الناتجة عن تهالك محطات الكهرباء وشح الوقود، بدأ فجرٌ تكنولوجي جديد يلوح من جهة الشرق. لم تكن طوق النجاة هذه المرة ناقلات نفط تخوض مغامرات محفوفة بالمخاطر، بل كانت تكنولوجيا صينية متقدمة. فقد شهدت الفترة الممتدة بين نيسان 2025 ونيسان 2025 تحركاً استباقياً ضخماً، تضاعفت فيه واردات كوبا من الألواح الشمسية الصينية بنحو 34 ضعفاً لتصل قيمتها إلى 117 مليون دولار.
​وقد أثبت هذا التحول المبكر جدواه المصيرية حين بلغت الضغوط الأمريكية ذروتها القصوى باستهداف فنزويلا عسكرياً في كانون الثاني من عام 2026، حيث تم اختطاف رئيسها، نيكولاس مادورو، وزوجته، سيليا فلوريس، واقتيادهما إلى السجون الأمريكية. كانت تلك العملية محاولة يائسة لقطع آخر شرايين النفط التي تمد هافانا بأسباب الحياة، وهو ما أدى بالفعل إلى الانهيار المتكرر للشبكة الوطنية للكهرباء في الربع الأول من عام 2026، تاركاً ملايين الكوبيين في ظلام دامس لعشرين ساعة يومياً. في تلك اللحظة الحرجة، لم تكن البنية التحتية الشمسية الصينية مجرد مشروع بديل، بل أصبحت شريان الحياة الوحيد الذي يحول دون انهيار الدولة.
​من ارتهان النفط إلى سيادة النور
​إن ما تشهده كوبا اليوم يمثل انتقالاً تاريخياً ومفصلياً من “دبلوماسية النفط”، التي يسهل اعتراضها ومحاصرتها في المحيطات، إلى “ثورة السيليكون”، التي تمنح الشعوب استقلالها الطاقي. وقد أثمر هذا التوجه عن خطة استراتيجية كبرى، وثقتها تقارير صحيفة “الغارديان” البريطانية، تستهدف بناء 92 محطة طاقة شمسية متطورة بحلول عام 2028. هذه المنظومة الضخمة ستوفر قدرة توليد تبلغ نحو ألفي ميغاواط، وهو ما يكفي لتغطية معظم احتياجات الجزيرة المنزلية والصناعية، مما يحيد تماماً أثر العقوبات على الوقود الأحفوري.
​ولم يقتصر الدعم على المحطات الكبرى، بل شمل تبرع بكين بخمسة آلاف نظام طاقة شمسية مستقل لتأمين المرافق الحيوية، كالمستشفيات، والمدارس، إضافة إلى توفير أنظمة تخزين بطاريات متطورة لمعالجة تحديات ذروة الاستهلاك المسائي. وبفضل هذه الجهود، قفزت مساهمة الطاقة الشمسية في شبكة الكهرباء الكوبية لتتجاوز 20% في أوائل عام 2026. لقد أدركت هافانا وبكين أن الحصار يفقد فاعليته تماماً عندما تصبح أدوات الصمود غير قابلة للمصادرة، فالشمس التي تشرق على كوبا لا تملك واشنطن سلطة اعتراض أشعتها، ولا تستطيع أساطيلها فرض عقوبات عليها.
​عالم يتغير رغم أنف الحصار
​تحت شعار “كوبا من أجل الحياة”، يثبت الشعب الكوبي أن الإرادة الوطنية الخالصة، حين تتلاقى مع الابتكار التكنولوجي والتحالفات الاستراتيجية، قادرة على تبديد وحشة العزلة. إن تحول كوبا نحو الطاقة البديلة يتجاوز كونه حلاً تقنياً لأزمة كهرباء، ليصبح إعلاناً سياسياً مدوياً بأن العالم يتغير، وأن الشعوب الحرة قادرة على التحرر من الظلام الذي تفرضه قوى الهيمنة.
​في الختام، تبرز الشراكة بين كوبا والصين تحت الشمس كدليل حي على أن مسارات النور ستجد طريقها حتماً لكسر قيود الحصار، مهما بلغت وحشة العتمة، ومهما طال ليل العزلة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى