مقالات

حين يتحول المحتوى الهابط إلى أزمة وعي.. أين دور التربية

لم تعد ظاهرة المحتوى الهابط في مواقع التواصل الاجتماعي مجرد حالات فردية عابرة أو تصرفات بحث عن الشهرة والمال، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى تحد اجتماعي وثقافي يهدد بنية المجتمع وقيمه الأخلاقية، خصوصاً مع الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وسهولة الوصول إلى الجمهور بمختلف فئاته العمرية
ورغم الإجراءات القانونية المشددة التي اتخذتها الجهات الأمنية والقضائية وفي مقدمتها وزارة الداخلية، والتي وصلت في بعض الحالات إلى السجن والعقوبات الرادعة، إلا أن هذا النوع من المحتوى ما زال يتمدد بصورة لافتة، الأمر الذي يفرض سؤالاً مهماً: لماذا يستمر البعض في نشر هذا المحتوى رغم معرفتهم بالعقوبات؟
الواقع يؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد مخالفة قانونية، فهي ترتبط بغياب الوعي الإعلامي والثقافة الرقمية لدى شريحة واسعة من مستخدمي مواقع التواصل، فالبعض يعتقد أن الشهرة السريعة والمشاهدات العالية تبرر أي سلوك مهما كان مبتذلاً أو مسيئاً، بينما يرى آخرون أن إثارة الجدل هي الطريق الأقصر لجذب المتابعين وتحقيق الأرباح حتى وإن كان ذلك على حساب القيم الاجتماعية والأخلاقية.
في مقابل ذلك لا يمكن تجاهل وجود جهات أو أفراد يتعمدون نشر هذا النوع من المحتوى بهدف تفكيك المنظومة القيمية للمجتمع وإضعاف الهوية الثقافية، مستغلين غياب الرقابة الأسرية أحياناً، وضعف التوعية المؤسسية أحياناً أخرى لذلك فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تعتمد على العقوبات وحدها، لأن القانون يعالج النتائج بينما يبقى الوعي هو العلاج الحقيقي للجذور.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إدخال «التربية الإعلامية الرقمية» ضمن المناهج الدراسية في المدارس والجامعات، لتكون مادة أساسية تهدف إلى بناء جيل قادر على التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى الهابط، ويمتلك أدوات التفكير النقدي في التعامل مع الفضاء الرقمي فالعالم اليوم لم يعد يقيس تقدم المجتمعات بعدد مستخدمي الإنترنت فقط، بل بقدرتها على صناعة وعي رقمي يحمي أبناءها من الانحدار الأخلاقي والفكري.
إن تدريس التربية الإعلامية لم يعد ترفاً أكاديمياً بل ضرورة وطنية وأخلاقية، وهنا يأتي الدور الكبير لكليات الإعلام وخريجيها الذين يمتلكون المعرفة العلمية والخبرة المهنية القادرة على قيادة هذا المشروع التوعوي، فكليات الإعلام مطالبة اليوم بالخروج من الإطار النظري التقليدي والتحول إلى مؤسسات فاعلة في صناعة الوعي المجتمعي، من خلال إعداد برامج تثقيفية وحملات توعوية ودورات تدريبية تستهدف الطلبة والشباب والعائلات.
كما أن الاستفادة من آلاف خريجي كليات الإعلام عبر تعيينهم في وزارات التربية والتعليم العالي والبحث العلمي، إضافة إلى الوقفين الشيعي والسني والمؤسسات الثقافية، يمكن أن يشكل خطوة استراتيجية في بناء مجتمع أكثر وعياً ونضجاً في التعامل مع الإعلام الرقمي فهؤلاء الخريجون قادرون على نقل الثقافة الإعلامية الحديثة إلى المدارس والجامعات، وتعليم الطلبة كيفية استخدام وسائل التواصل بشكل إيجابي ومسؤول.
إن مواجهة المحتوى الهابط لا تتحقق فقط بالملاحقة القانونية بل ببناء إنسان واعٍ يدرك خطورة ما يشاهده وما ينشره، فالمعركة الحقيقية اليوم ليست مع هاتف أو منصة إلكترونية، بل مع عقل يحتاج إلى التثقيف ووعي يحتاج إلى بناء، وجيل يحتاج إلى من يأخذ بيده نحو إعلام هادف يحترم قيم المجتمع ويحافظ على هويته.
وحين ننجح في ترسيخ التربية الإعلامية داخل مؤسساتنا التعليمية، سنكون قد حققنا هدفين في آنٍ واحد: حماية المجتمع من الانحدار الأخلاقي والفكري، وفتح أبواب العمل أمام طاقات أكاديمية وإعلامية قادرة على صناعة مستقبل أكثر وعياً واستقراراً.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى