حصر السلاح بيد الدولة والإقليم جزء لا يتجزأ من الدولة
بقلم / إبراهيم الدهش
يُعدّ ملف حصر السلاح بيد الدولة من أهم الملفات الوطنية التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة، ليس لأنه يتعلق بالجانب الأمني فقط، بل لأنه يرتبط بصورة مباشرة بمفهوم الدولة وسيادتها وهيبتها وقدرتها على ممارسة صلاحياتها الدستورية على كامل أراضيها . فالدولة الحديثة لا تقوم على تعدد مراكز القوة، بل على وجود مؤسسات دستورية تمتلك وحدها حق استخدام القوة وتنفيذ القانون وحماية الحدود والدفاع عن السيادة الوطنية.
ومنذ سنوات طويلة والعراق يعيش نقاشاً واسعاً حول هذا الملف، بين من يرى أن تعدد القوى المسلحة كان نتيجة ظروف استثنائية فرضتها الحروب والار*ها*ب والتحديات الأمنية، وبين من يؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال إلى مفهوم الدولة المكتملة الأركان التي تحتكر وحدها السلاح والقرار الأمني والعسكري . وبين هذين الرأيين يبقى الهدف الوطني الأسمى هو بناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها وصيانة استقلالها بعيداً عن أي ارتباك في مراكز القرار أو تضارب في المرجعيات .
إن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة لا ينبغي أن يُفهم على أنه استهداف لفئة أو مكون أو جهة سياسية بعينها، بل يجب أن يُنظر إليه بوصفه مشروعاً وطنياً شاملاً يهدف إلى تعزيز الدولة العراقية وتقوية مؤسساتها . فالدولة عندما تكون هي الجهة الوحيدة التي تمتلك السلاح الشرعي، فإنها تكون أكثر قدرة على فرض القانون، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية، وأكثر قدرة على توفير الأمن والاستقرار لمواطنيها .
وعندما يُطرح هذا الموضوع في العراق، غالباً ما تتجه الأنظار نحو بعض الفصائل أو التشكيلات المسلحة، بينما يغيب أحياناً سؤال مهم وأساسي يتعلق بمبدأ الشمولية في تطبيق هذا المشروع الوطني . فإذا كان الهدف هو حصر السلاح بيد الدولة، فإن هذا المبدأ يجب أن يشمل جميع الجهات المسلحة الموجودة على الأراضي العراقية دون استثناء، لأن العدالة لا تتجزأ، وسيادة القانون لا يمكن أن تكون انتقائية .
ومن هذا المنطلق يبرز الحديث عن إقليم كردستان باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الدولة العراقية وفقاً للدستور. فالإقليم مكوّن أساسي من مكونات العراق، وشريك رئيسي في العملية السياسية، وأمنه جزء من الأمن الوطني العراقي . وبالتالي فإن أي رؤية استراتيجية تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة ينبغي أن تتعامل مع جميع القوى المسلحة ضمن إطار وطني واحد، يقوم على وحدة الدولة ووحدة القرار ووحدة المصير .
إن جوهر القضية لا يتعلق بمن يسلم سلاحه أولاً أو بمن يحتفظ به لفترة أطول، وإنما يتعلق بالسؤال الأهم: كيف نبني دولة قوية تحتكر استخدام القوة وفق الدستور والقانون ؟ وكيف نصل إلى مرحلة تصبح فيها جميع التشكيلات العسكرية والأمنية جزءاً من منظومة وطنية موحدة تعمل تحت قيادة الدولة ومؤسساتها الدستورية ؟
فالمشكلة الحقيقية ليست في وجود السلاح بحد ذاته، وإنما في تعدد المرجعيات التي تدير هذا السلاح . فحين تتعدد مراكز القرار العسكري والأمني، تتراجع قدرة الدولة على إدارة الملفات الحساسة، ويصبح من الصعب تحقيق التنسيق الكامل في مواجهة التحديات المختلفة . أما عندما يكون القرار موحداً، فإن الدولة تصبح أكثر قوة وقدرة على التحرك وفق رؤية وطنية واضحة .
ولعل التطورات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها المنطقة تؤكد أهمية هذا الأمر. فالشرق الأوسط يعيش حالة من عدم الاستقرار، والصراعات الإقليمية والدولية تلقي بظلالها على مختلف دول المنطقة . والعراق بحكم موقعه الجغرافي وأهميته السياسية والاقتصادية ليس بمنأى عن هذه التحديات . ولذلك فإن امتلاك قرار أمني وعسكري موحد أصبح ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل .
إن مواجهة أي تهديد خارجي محتمل تتطلب وجود مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تتحدث بصوت واحد وتتحرك وفق قرار واحد . فالدفاع عن الوطن مسؤولية الدولة، وحماية السيادة واجب المؤسسات الدستورية، وأي تشتيت في مصادر القوة أو القرار ينعكس سلباً على قدرة البلاد في مواجهة المخاطر .
كما أن ملف حصر السلاح يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم السيادة الوطنية . فالدولة ذات السيادة هي الدولة التي تملك قرارها السياسي والأمني والعسكري، وتمارس سلطاتها على كامل أراضيها من دون منازع . والسيادة لا تكتمل إلا عندما تكون مؤسسات الدولة هي المرجعية النهائية في كل ما يتعلق بالأمن والدفاع والعلاقات الخارجية .
ومن هنا فإن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة لا ينبغي أن يُختزل في الجوانب الأمنية فقط، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من مشروع بناء الدولة العراقية الحديثة. فالدول القوية لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على إدارة هذا السلاح وفق القانون والمصلحة الوطنية .
ولا بد من التأكيد على أن هذا المشروع لا يمكن أن ينجح من خلال القرارات الانفعالية أو الخطابات المتشنجة، بل يحتاج إلى حوار وطني واسع يشارك فيه الجميع. فالعراق بلد متعدد المكونات والانتماءات، وأي معالجة ناجحة للقضايا المصيرية يجب أن تقوم على التفاهم والتوافق والشراكة الوطنية .
كما أن معالجة هذا الملف تتطلب توفير الضمانات القانونية والدستورية لجميع الأطراف، بحيث يشعر الجميع بأن الهدف هو تقوية الدولة وليس إضعاف أي مكون أو إقصاء أي طرف. فالدولة القوية لا تُبنى على أساس الغلبة، وإنما على أساس الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية.
إن العراقيين جميعاً، بمختلف قومياتهم ومذاهبهم واتجاهاتهم السياسية، يتطلعون إلى دولة مستقرة وقادرة على تلبية احتياجاتهم وحماية حقوقهم. وهذه الدولة لا يمكن أن تحقق أهدافها إذا بقيت تعاني من ازدواجية في القرار الأمني أو من تعدد في مراكز القوة .
وفي هذا الإطار، ينبغي أن يكون المعيار واحداً للجميع. فإذا كان مبدأ حصر السلاح بيد الدولة يمثل هدفاً وطنياً، فإنه يجب أن يطبق على جميع الجهات دون استثناء. فلا يمكن أن يكون هناك استثناء دائم لأي جهة كانت، لأن الاستثناءات تضعف فكرة الدولة وتخلق شعوراً بعدم المساواة في تطبيق القانون.
إن العدالة تقتضي أن يخضع الجميع للقواعد نفسها، وأن تكون الدولة هي المظلة التي تجمع الجميع دون تمييز. وعندما يشعر المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع بالتساوي، فإن ثقته بالدولة ومؤسساتها تزداد، وهو ما يشكل أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي .
كما أن حصر السلاح بيد الدولة يسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات وتحسين البيئة العامة للبلاد . فالمستثمر المحلي أو الأجنبي يبحث دائماً عن بيئة مستقرة يسودها القانون وتكون فيها مؤسسات الدولة هي المرجعية الوحيدة. وكلما تعززت هيبة الدولة ووحدة قرارها، ازدادت فرص التنمية والنمو الاقتصادي .
ومن ناحية أخرى، فإن نجاح هذا المشروع يبعث برسالة مهمة إلى المجتمع الدولي مفادها أن العراق يسير بثبات نحو ترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز سيادتها الوطنية . وهذا الأمر ينعكس إيجاباً على مكانة العراق الإقليمية والدولية ويعزز قدرته على بناء علاقات متوازنة مع مختلف دول العالم .
إن التجارب العالمية أثبتت أن الدول التي نجحت في تجاوز الأزمات والصراعات الداخلية هي تلك التي استطاعت في نهاية المطاف توحيد مؤسساتها العسكرية والأمنية تحت سلطة الدولة. أما الدول التي استمرت فيها مراكز القوة المتعددة، فقد واجهت صعوبات كبيرة في تحقيق الاستقرار والتنمية .
واليوم يقف العراق أمام فرصة تاريخية لتعزيز مفهوم الدولة وترسيخ سيادة القانون وبناء مؤسسات قوية قادرة على مواجهة التحديات. وهذه الفرصة تتطلب شجاعة سياسية ورؤية وطنية بعيدة عن الحسابات الضيقة والمصالح الآنية .
فالعراق بحاجة إلى دولة قوية وعادلة في الوقت نفسه. دولة تحمي جميع أبنائها دون تمييز، وتتعامل معهم على أساس المواطنة المتساوية، وتمارس صلاحياتها وفق الدستور والقانون . دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من الأفراد، والقانون أعلى من الجميع، والمصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات الأخرى .
وفي النهاية، فإن قوة العراق لا تكمن في تعدد أسلحته، بل في وحدة مؤسساته. ولا في تعدد قراراته الأمنية، بل في وحدة قراره الوطني. فالدولة القوية هي التي تمتلك قرار الحرب والسلم، وتمتلك القدرة على حماية حدودها والدفاع عن مصالح شعبها، وتمارس سلطتها على كامل أراضيها دون استثناء .
إن القانون يجب أن يكون فوق الجميع، والجميع يجب أن يكونوا تحت مظلة القانون . وهذه القاعدة هي الأساس الذي تُبنى عليه الدول المستقرة والقادرة على الاستمرار . ولذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة يجب أن يكون مشروعاً وطنياً شاملاً يشمل جميع الجهات دون استثناء، سواء في بغداد أو أربيل أو البصرة أو الموصل أو أي جزء من أرض العراق .
وعندما يصبح السلاح كله تحت راية الدولة، وعندما تتوحد المرجعيات الأمنية والعسكرية، وعندما يكون القرار الوطني مستقلاً ومنطلقاً من مصالح العراق العليا، فإن البلاد ستكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر استعداداً لتحقيق التنمية والاستقرار، وأكثر تمسكاً بسيادتها واستقلالها .
إن دعم الدولة ومؤسساتها ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو واجب وطني يقع على عاتق الجميع . فالعراق الذي قدم التضحيات الجسام عبر تاريخه يستحق أن يمتلك دولة قوية ذات سيادة كاملة، دولة القرار والقانون والمؤسسات، دولة لا تخضع للإملاءات الخارجية، ولا تسمح بتعدد مراكز القوة، بل تستند إلى وحدة الشعب ووحدة الأرض ووحدة القرار الوطني .
وهذا هو الطريق الأقصر لبناء عراق قوي ومستقر وآمن للأجيال القادمة .
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.