مقالات

ترامب والإعلام: معركة تبرز عظمة النظام الأمريكي – هدي رضا

المشهد يبدو للوهلة الأولى فوضوياً، بل ومربكاً للمتابع من خارج البيئة السياسية الأمريكية. رئيس الولايات المتحدة —الرجل الذي يُوصَف غالباً بأنه الأقوى في العالم— يقف خلف منصته ليشتم وسائل إعلام كبرى، يصفهم بـ “أعداء الشعب” وصُنّاع “الأخبار الزائفة”. وفي المقابل، لا تتوقف هذه المنصات الإعلامية عن تفنيد تصريحاته، وملاحقة خطاباته بالنقد والتحليل والاتهام، وتوجيه أعن*ف السهام لشخصه وسياسته.
في ثقافتنا السياسية الشرق أوسطية، هذا المشهد كفيل بإعلان حالة الطوارئ. ففي دول مثل الدول العربية، خُرقت “هيبة” المسؤول أو نُقد رأس الدولة —مجرد النقد وليس السب الصريح— يعني غياباً فورياً وراء الشمس، وإغلاقاً للمؤسسة، وتهميشاً لا رجعة فيه للصوت المعارض تحت دعاوى حماية الأمن القومي واستقرار الوطن.
لكن المفارقة المبهرة في الحالة الأمريكية هي: أن الرئيس، بكل نفوذه وصلاحياته، لا يملك أن يُغلق محطة تلفزيونية واحدة، ولا يستطيع جرجرة مذيع إلى السجن لأن رأيه لم يعجبه. هنا تحديداً، يتجلى جوهر المنظومة الغربية التي لا تقوم على قدسية الأفراد، بل على حصانة المؤسسات.
أولاً: الرئيس موظف.. وليس رمزاً مقدساً
في الفلسفة التي قام عليها الدستور الأمريكي، الرئيس ليس الأب الروحي للأمة، ولا الحاكم بأمر الله، بل هو “موظف عام مؤقت” استأجره الشعب لإدارة شؤون البلاد لمدة محددة. هذه النظرة البراجماتية تجعل من منصب الرئاسة هدفاً مشروعاً ومستباحاً للنقد والمسائلة اليومية.
حين يهاجم الإعلام ترامب، وحين يرد ترامب بالشجب والشتائم والبيانات العنيفة، فهو لا يفعل ذلك ترفعاً أو طيبة خاطر، بل لأنه لا يملك خياراً آخر. المنظومة الدستورية مصممة عبر “شبكة توازن وفصل للسلطات” تغل يد الحاكم عن إبادة معارضيه، وتجبره على خوض المعركة بأدوات القانون والسياسة، لا بأدوات البطش الأمني.

ثانياً: “السلطة الرابعة” وحصانة الخطأ
لم تكتسب الصحافة الأمريكية هذه القوة من فراغ، بل من حماية قانونية صارمة جعلت “حرية التعبير” خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. القانون الأمريكي، وتحديداً منذ الحكم التاريخي للمحكمة العليا في قضية (نيويورك تايمز ضد سوليفان) عام 1964، وضع معياراً تعجيزياً لمقاضاة وسائل الإعلام بتهمة التشهير بالشخصيات العامة.
لكي يربح مسؤول سياسي قضية ضد صحيفة، يجب أن يثبت أنها نشرت أكاذيب بـ “سوء نية متعمد”، وهي تعلم تماماً أنها كاذبة بقصد تدميره. هذا البناء القانوني خلق درعاً حصيناً للإعلام، يتيح له المغامرة، والنقد، وحتى الخطأ في التحليل، دون خوف من الإغلاق أو الملاحقة السياسية. الإعلام هناك ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو “سلطة رابعة” تراقب السلطات الثلاث الأخرى وتمنعها من التغول.

ثالثاً: مفارقة القوة والاستقرار
البعض قد يظن أن هذا الصدام الدائم بين رأس السلطة التنفيذية والإعلام يضعف الدولة أو يهدد السلم المجتمعي. لكن التجربة أثبتت العكس تماماً؛ هذا الصخب هو دليل عافية المنظومة.
لقد دخل ترامب البيت الأبيض، وخرج منه بالانتخابات، وعاد إليه مجدداً، وظلت ماكينة الإعلام تعمل بكفاءة ونفس السقف من الحرية والجرأة. لم تهتز أركان النظام القضائي، ولم تتحرك الدبابات لإغلاق القنوات، ولم يتغير الدستور لترضية رغبات الرئيس الانتقامية ضد منتقديه.
إن الانبهار الحقيقي بالنظام الأمريكي لا ينبع من كونه نظاماً مثالياً بلا أخطاء، بل من كونه نظاماً استطاع بصياغته الدستورية والمؤسسية أن يجعل القوانين أقوى من النفوذ، والمؤسسات أبقى من الأفراد. في أمريكا، يذهب الرؤساء وتتغير الإدارات، وتبقى شتائم ترامب مجرد حبر على ورق أو كلمات في الفضاء الرقمي، بينما تظل الصحافة واقفة على أقدامها، تمارس دورها كرقيب لا ينحني لأقوى رجل في العالم.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى