آراء متنوعة

برلمان 2025 بلا مدنيين!

نوري حمدان

في السابع عشر من تشرين الثاني الجاري، أعلنت المفوضية، النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب التي جرت في 11 من الشهر نفسه، متضمنة أسماء الفائزين بمقاعد المجلس الجديد. لكن المفارقة الصادمة والتاريخية منذ عام 2003 أن البرلمان المنتخب جاء خالياً تماماً من أي تمثيل للقوى المدنية والديمقراطية.

هذه النتيجة لم تكن مجرد حدث انتخابي عابر، بل مؤشراً خطيراً على طبيعة البيئة السياسية التي أُجريت فيها الانتخابات، وعلى الخلل البنيوي المتفاقم في العلاقة بين المجتمع والدولة من جهة، وبين السلطة وصندوق الاقتراع من جهة أخرى.

وقد سارعت معظم قوى التيار المدني والديمقراطي إلى إصدار بيانات رسمية، دقت فيها ناقوس الخطر، وكشفت حجم التشويه الذي تعرضت له العملية الانتخابية، فيما قدّم باحثون وسياسيون قراءات أولية حاولت تشخيص مكامن الخلل في بنية المجتمع والسلطة، وفي أداء القوى المدنية نفسها.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن نتائج انتخابات 2025 لم تكن سوى إعادة تدوير للنفوذ نفسه الذي سيطر على الدولة بعد 2003، بواجهات جديدة وأرقام مختلفة.. لكن بالمضمون ذاته.

أولاً: انتخابات بلا ديمقراطية.. حين يختل الميزان منذ البداية

الانتخابات، في جوهرها، ليست ديمقراطية بذاتها. إنها أحد عناصر الديمقراطية، لكنها لا تتحول إلى تعبير حقيقي عن إرادة الشعب إلا إذا توفرت شروطها الأساسية: قانون انتخابات عادل، قانون أحزاب يُطبق على الجميع بلا استثناء، مفوضية مستقلة فعلاً لا شكلاً، منافسة متكافئة بين القوى السياسية، وحرية اختيار غير مُقيّدة بالمال أو السلاح أو النفوذ.

على العكس من ذلك، جرت انتخابات 2025 وفق بيئة سياسية مغلقة صُممت لإعادة إنتاج القوى نفسها: قانون انتخابي مفصّل على مقاس الكتل المتنفذة (سانت ليغو بنسخته المعدّلة). مفوضية تتشكل وفق المحاصصة الحزبية، ما يفقدها شرط الحياد المفترض. هيمنة السلاح المنفلت والأجنحة المسلحة من دون تطبيق لقانون الأحزاب الذي يمنع مشاركتها. تضخم المال السياسي بما وصل لشراء الصوت الانتخابي في بعض المناطق بأسعار تتراوح بين 100 ألف و500 ألف دينار.

رقم مرتفع في المشاركة (56%) تم احتسابه على قاعدة بيانات بيومترية غير مكتملة، ما يجعل الرقم أقرب إلى “حساب سياسي” منه إلى تعبير دقيق عن المشاركة الفعلية.

إن ديمقراطية كهذه لا تُنتج تمثيلاً، بل تُنتج شرعية شكلية تقوم على أرقام لا تعبّر عن الإرادة الشعبية، بل عن حجم النفوذ المالي – السياسي للأحزاب المهيمنة.

ثانياً: المجتمع العراقي… ثِقل الأزمات وصناعة السلوك الانتخابي

تشير القراءات الاجتماعية المصاحبة للانتخابات إلى أن المجتمع العراقي، منذ 2003، يعيش تحولات عميقة: تراجع الطبقة الوسطى، تآكل الثقة بالمؤسسات، ضغط الفقر والاحتياجات المتراكمة، تأثير المال على السلوك الانتخابي، تصاعد الزبائنية، وتراجع قيم المشاركة المدنية.

هذه العوامل كلها جعلت الناخب يتحرك وفق الحاجة لا القناعة، والمصلحة لا المشروع السياسي.

في بيئة كهذه، يسهل أن تنتصر الأدوات الزبائنية على المشاريع الإصلاحية، وأن يذهب الصوت الانتخابي إلى الأكثر نفوذاً لا إلى الأصلح.

ثالثاً: السلطة.. بنية نفوذ تُعيد إنتاج نفسها

تُجمع معظم التحليلات على أن طغمة الحكم – بحكم سيطرتها على الدولة والإعلام والمال العام – استطاعت أن تُغلق البيئة الانتخابية أمام أي منافسة حقيقية. فالنتائج لم تعكس ميزان الرأي العام بقدر ما عكست: حجم التنظيم، حجم المال، وحجم السلاح.

بهذه الأدوات، أصبح البرلمان مؤسسة لا تعبّر عن المجتمع بقدر ما تعبّر عن خارطة القوى التي تمسك بمفاصل السلطة.

رابعاً: القوى المدنية.. ضحية أم شريك في الأزمة؟

رغم اختلال البيئة الانتخابية، إلا أن الأزمة ليست خارجية بالكامل. فالقوى المدنية نفسها ساهمت -عن قصد أو عن عجز- في تكريس غيابها البرلماني. يمكن تلخيص الأسباب الداخلية في النقاط الآتية:

– الانقسام والتشتت والتحالفات الصغيرة التي ضيّعت الأصوات تحت سقف قانون انتخابي قاتل للقوائم الضعيفة.
– سوء اختيار عدد من المرشحين، وضعف الحضور الجماهيري لبعضهم.
– افتقار القوى المدنية إلى التنظيم والتمويل، ما جعلها غير قادرة على منافسة ماكينات السلطة.
– تراجع تمثيل تشرين داخل البرلمان السابق، ما أسهم في إحباط جمهورها.
– غياب مشروع سياسي موحد قادر على تحويل الاحتجاج إلى فعل سياسي مستدام.
ورغم ذلك، كما أشار د. فارس كمال نظمي، فإن “خسارة المدنيين” هذه المرة قد تكون نعمة أخلاقية أعادتهم إلى الشارع وإلى صف المجتمع، بعيداً عن فساد العملية السياسية.

خامساً: ماذا يعني غياب المدنيين عن البرلمان؟

إن خلوّ مجلس النواب من أي تمثيل مدني يعني: انغلاق النظام السياسي على نفسه أكثر من أي وقت مضى. غياب الصوت المدافع عن الدولة المدنية والمواطنة والعدالة الاجتماعية. احتكار التشريع والرقابة من قبل القوى نفسها التي تتحكم بالسلطة. تراجع الأمل بالإصلاح عبر المؤسسات. ميل البيئة السياسية نحو مزيد من الطائفية والمحاصصة بدلاً من الدولة. وإنها رسالة واضحة يحث أن العراق اليوم يعيش ديمقراطية بلا مدنيين وبرلمان بلا بديل.

سادساً: رؤية مستقبلية للتيار المدني والديمقراطي

رغم القسوة الظاهرة للنتائج، إلا أن الطريق أمام التيار المدني والديمقراطي لا ينتهي هنا. بل يمكن القول إنه الآن يبدأ من جديد:

1- لمن يريد الاستمرار في العملية السياسية
بناء تحالف مدني واسع يتجاوز الأطر الحزبية الصغيرة، صياغة مشروع سياسي موحد لا يقوم على رد الفعل، بل على خطة طويلة النفس، تطوير آليات اختيار المرشحين وتعزيز حضورهم الاجتماعي، إنشاء ماكينة انتخابية مهنية لا تعتمد على الجهد التطوعي وحده، والعمل على تعديل قانون الانتخابات وقانون الأحزاب، وجعلها بنداً رئيسياً في الخطاب العام.

2- لمن يتجه إلى المعارضة الوطنية خارج البرلمان:
تأسيس حركة ضغط اجتماعي – سياسي تستثمر الطاقة الشبابية (التشرينية)، تطوير خطاب وطني جذري يناقش جذور الأزمة لا أعراضها، تعزيز الوجود في الشارع والفضاء العام عبر مبادرات مجتمعية وخدمية وثقافية، الاستمرار في فضح المحاصصة ورفع مستوى الوعي العام، وبناء قاعدة اجتماعية تستعيد ثقة الجمهور بالعمل المدني بعد اهتزازها.

3- مشتركات التيارين (المدني – الديمقراطي):
الدفاع عن الاشتغال الأخلاقي في السياسة، الإصرار على بناء دولة المواطنة، تطوير أدوات التأثير المجتمعي، تحويل النقد إلى مشروع، وربط العمل المدني بقضايا الناس لا بقضايا النخب.

خاتمة: بين شرعية الرقم وشرعية الإرادة

أظهرت انتخابات 2025 أن السلطة تستطيع إنتاج أرقام، لكنها لا تستطيع إنتاج شرعية. فالشرعية تُصنع من الثقة، لا من نسب المشاركة، ومن الإرادة الحرة، لا من المال السياسي. ويبدو أن العراق، بعد هذه الانتخابات، يقف أمام مفترق حاسم: إما الانزلاق نحو مزيد من الاحتكار السياسي، أو ولادة موجة مدنية جديدة أكثر نضجاً، تعود إلى المجتمع وتبدأ منه… لا من البرلمان.

إن غياب المدنيين اليوم ليس نهاية، بل إعلان بداية صراع جديد من أجل استعادة الدولة من برلمان المحاصصة، وإعادتها إلى العراقيين جميعاً.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى